خبر وتعليق   التضليل والاستعباط الإعلامي على ثورة مصر الكنانة
December 07, 2012

خبر وتعليق التضليل والاستعباط الإعلامي على ثورة مصر الكنانة

الخبر :

غصَّ ميدانُ التحريرِ يومَ الجمعةِ الثلاثينَ من شهر تشرينٍ الثاني لعام ألفين واثنَيْ عَشَرَ بوسطِ القاهرةِ بالمتظاهرينَ المطالِبينَ بإسقاطِ النظامِ الجمهوريّ المصريّ، إلا أنّ الإعلامَ يدّعي أنّ هذه الحشودَ هي للاحتجاجِ على الإعلانِ الدستوريّ وعلى المسودةِ النهائيةِ للدستورِ قبل عرضِها على محمد مرسي.


التعليق :


1- منذُ أن تم تغييرُ الرئيسِ المصريِّ محمد حسني مبارك والإتيانُ بمحمد مرسي لم يهدأ الشارعُ المصري، فالاعتصاماتُ والتجمعاتُ ظلتْ مستمرةً بتفاوتِ أحجامِها واختلافِ أماكنِها، وجميعُها تصبُ في اتجاهٍ واحدٍ وهو المطالبةُ بالتغييرِ الحقيقي في البلادِ، ولكنْ ولأنّ المؤامرةَ على الثورةِ المصرية كانت عظيمةً، وأدواتُها مختلفُ الأحزابِ الرسميةِ وغيرِ الرسميةِ المرتبطةِ بالقوى الغربيةِ، علمانيةً ليبراليةً أو "إسلاميةً" ليبراليةً، الذين تمكنوا من تضليلِ الناسِ لبعضِ الوقت، بإيهامِهم أنّ تغييرَ وجهِ النظامِ بآخَرَ هو تغييرٌ للنظامِ، خصوصا وأنّ الناسَ شعروا عند الإطاحةِ بمباركٍ أنهم أنجزوا الكثير، ولكنَّ الناسَ لم تظلَّ نائمةً على تلكَ النشوةِ، فازداد حجمُ الاحتجاجاتِ والاعتصاماتِ حتى عادتْ إلى مليونيتِها.


2- بعدَ أن عقدَ مرسي و"الإسلامُ" الليبراليُّ صفقةً مع الغربِ وتحديدا مع أمريكا تقومُ على احتواءِ الغضبِ الشعبي على نظامِ حسني مبارك لإنقاذِ النظامِ الجمهوريّ العلمانيّ والذي أقسمَ مرسي باللهِ العظيم أن يحافظَ عليه، مقابلَ تسليمِهِم مناصبَ حكمٍ منزوعةَ السلطة، بعد عقدِ هذهِ الصفقةِ وتسلمِهِم لمناصبِ الحكمِ ومرورِ أربعةِ أشهرٍ، تبينَ للذينَ خرجوا إلى الميادينِ مطالِبينَ بتغييرِ النظامِ أنّ النظامَ لمْ يتغيرْ، بل إنّ الوجوهَ هي التي تغيرتْ فقط، فالحالةُ الاقتصاديةُ ظلتْ مترديةً بل وازدادتْ سوءا، بقروضٍ ربويةٍ ومن غير قروضٍ، ولا يبدو أنّ هناك تحسنّاً أو حتى خطةً اقتصاديةً تحسّنُ من ظروفِ الناسِ المعيشيةِ، كما إنّ حناجرَ الثوارُ في أحدِ المليونيات من ميدانِ التحريرِ التي كانتْ تصدحُ بـ "على القدس رايحين شهداء بالملايين" تأكد لها أنّ ملايينَ الأمتارِ المكعبةِ من الغازِ المصريّ الطبيعي هو الذي استمرَ بالتدفقِ دعما لكيانِ يهود، ولمْ يُرسَلْ جنديٌ واحدٌ على القدس، بل والأنكى من ذلكَ أن أقدَمَتِ "التوليفةُ" الجديدةُ بقيادةِ مرسي على ما لمْ يجرؤ عليه سلفُه، حيث قام بحملةِ "تطهيرٍ" للمجاهدينَ من سيناءَ ممن يتشوقونَ لقتالِ يهود، وأقفلتْ العديدَ من شرياناتِ الحياةِ لأهلِ غزة، الأنفاقِ، وأصبحت مصرُ وسيطاً محايداً بين اليهودِ والمسلمين في فلسطين!


3- بعد أن اتضحتْ هذه الصورةُ عند أهلِ الكنانة، وهي أنّ النظامَ لمْ يتغيرْ بلِ الذي يحصلُ هو إعادةُ ترميمٍ للنظامِ السابق، بإيجادِ وزراءَ لا سلطةَ بين أيديهم، بل ظلتِ السلطةُ بيدِ الطاقَمِ القديم، وهم السلطةُ التنفيذيةُ على وجهِه الحقيقي، ولم يُستبدَلْ في الوِزاراتِ إلا الوزراءُ "الذين لا يملكونَ من أمرِهم شيئاً"، كما أنّ النظامَ القضائيَّ بقوانينِه الجائرةِ لم يتغيرْ، فالقوانينُ الجائرةُ التي كانت تجلِدُ ظهورَ الناسِ ظلتْ كما هي، والقضاةُ ممن لا ذمةَ عندَهُم، وهم جلُّ القضاة، ظلوا في محاكمِهِم الصُّوريةِ التي يُصدِرون فيها أحكامَ ضباطِ الأجهزةِ الأمنيةِ والمخابراتِ والمحسوبياتِ وإرادةِ كل فاسدٍ يريدُ من خلالِها نهبَ ثروةً أو انتقاماً من ضعيفِ أو ذي نخوةٍ أو دين، بعدَ اتضاحِ هذه الصورةِ عند الناسِ عادتِ الجماهيرُ إلى الميادينِ مرةً ثانيةً وبالملايينِ أيضا، والشعارُ هو الشعارُ "الشعب يريد إسقاط النظام".


4- ولما لاحظتِ القوى الغربيةُ أنَّ الأمورَ ستَفْلِتُ من بين أيديهم، دفعوا بأدواتِهم وقلْ بعملائِهم من كلا الطرفين، العلمانيينَ الليبراليينَ و"الإسلاميينَ" الليبراليينَ إلى احتواءِ الشارعِ مرةً ثانيةً بتضليلِه أو بمساومتِه، فاختزلوا مطالبةَ الناسِ بتغييرِ النظامِ بجدليةِ الإعلانِ الدستوري ومسودةِ الدستور، ذلك الدستورُ الذي لمْ يختلفْ عليه العلمانيون الليبراليون أو "الإسلاميون" الليبراليون إلا في بعضِ التفاصيلِ والألفاظ، ولِمَ الاختلافُ والمسودةُ هذه تقومُ على الدستورِ العلماني المستوردِ من الغربِ الليبرالي، والذي حُكِمتْ به مصرُ منذُ الاستعمارِ قبلَ قرنٍ من الزمنِ تقريبا؟! طبعا الإعلامُ العميلُ من فضائياتٍ محليةٍ أو عالميةٍ يروجُ لهذا التضليلِ ويُظهِرهُ للمشاهدِ المحليِّ والإقليميِّ وعلى مستوى العالمِ الإسلاميِّ بأنّ ما يؤرقُ ويطالبُ بهِ الملايينُ في الشارعِ هو إقرارُ أو عدمُ إقرارِ الدستورِ القديمِ الجديدِ أو الإعلانِ الدستوريِّ البائسِ الذي فرضَهُ مرسي مؤخرا بعد لقائِه الأخيرِ بهيلاري كلينتون، وزيرةِ خارجيةِ أمريكا، بيومٍ واحدٍ فقط، لمحاولةٍ احتواءِ غضبِ الشارع.


كما يركزُ الإعلامُ على إبرازِ العلمانيينَ والاشتراكيينَ من رؤساءِ أحزابٍ مغمورةٍ وهم ممقوتون عند الناسِ، على أنّهم هم قادةُ هذه الملايين، وذلك لتنفيرَ الناسِ من التجمهرِ والمطالبةِ بإسقاطِ النظام، ولا أدَلَّ على ذلك من الاعتداءِ على رئيسِ أكبرِ هذه الأحزاب، حزبِ الوفد، السيدِ البدوي، في ميدانِ التحريرِ حين ضربَهُ أحدُ المحتجين على "قفاه"، أو رَشْقِ محمد البرادعي بالأحذيةِ والحجارةِ حين خرجَ للإدلاءِ بصوتِه إبَّانَ فترةِ الانتخابات، والباقي من رموزِ العلمانيين العملاءِ لا يَجرؤون حتى على الظهورِ في الشارعِ العامِّ عِلاوةً على ظهورِهِم بين الحشودِ من مثل عمرو موسى.


5- لقد حانَ الوقتُ للنظامِ المصريِّ بواجِهَتِه الجديدةِ أن يقولَ للناسِ "فهمتُكُم" فيدركَ أنّ المسلمينَ في أرضِ الكنانةِ لا يقبلونَ غيرَ الإسلامِ نظاما كاملا شاملا بديلا عن النظامِ الجمهوريِّ العلمانيِّ الحاليِّ، وأنّ أهلَ الكنانةِ لا يقبلونَ بعملاءِ الغربِ حُكَّاما له، سواءً أكانوا حليقين أو بلحى، ولا يقبلونَ إلا بإلقاءِ بلاطجةِ النظامِ، من مُدِيريْ وضباطِ الأجهزةِ الأمنيةِ والمخابراتِ وقضاةٍ وإعلاميين، لا يقبلونَ إلا بإلقاءِ هؤلاءِ جميعا وغيرِهِم ممن نالوا من هذهِ الأمة، ليصيروا جزءاً من التاريخِ، وكلُّنْا ثقةٌ بأنَّ ذكاءَ وحَمِيّةَ أهلِ الكنانةِ ستمكنُّهم من تحقيقِ ذلك، وتمكنُّهُم من العملِ على إقامةِ دولةِ الخلافةِ الإسلاميةِ التي روّجَ لأجهزتِها ولدستورهِا شبابُ حزبِ التحرير لشهورٍ عدةٍ في شوارعِ مصرَ وأمامَ مساجِدِها وميادينِها، ففي ظلِ الخلافةِ فقطْ يشعرُ المسلمون بالعزةِ والكرامةِ والرفاهيةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( يَكُونُ بَعْدِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا وَلَا يَعُدُّهُ عَدًّا )) أحمد.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: الأستاذُ أبو عمرو

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار