خبر وتعليق                 التهديد الإيراني زاوية العمل في السياسة الفرنسية في المنطقة
September 05, 2010

  خبر وتعليق              التهديد الإيراني زاوية العمل في السياسة الفرنسية في المنطقة

الخبر 

في 25/8/2010 ألقى الرئيس الفرنسي ساركوزي خطابا في المؤتمر الثامن عشر للسفراء الفرنسيين في قصر الاليزيه بباريس أمام 180 سفيرا فرنسيا أبرز فيه خطوط السياسة الفرنسية الخارجية. وتطرق فيه أيضا إلى نواحي اقتصادية عالمية. وقد اتهم إيران بأنها "القلب في قوس الأزمات الملتهبة من أفغانستان حتى الساحل الأفريقي مرورا بباكستان والصومال واليمن، بل هي الأزمة السياسية الدولية العظمى، وأنها تغذي العنف والتطرف في المنطقة وأنها خصوصا تمثل التهديد الأساسي للأمن الدولي في ميدان انتشار الأسلحة النووية". وحذر من "النتائج الخطيرة الناجمة عن برنامج إيران النووي، إذ يعني ذلك إما تعميم السلاح النووي في المنطقة وإما التدخل العسكري، وعلى أية حال نشوء أزمة رئيسية في العالم". وقال أن "فرنسا تساعد الحكومات في دول الساحل الأفريقي من دون تحفظ، وأن باريس تقف إلى جانب الجزائر والمغرب وتونس وليبيا لأن حربهم ضد الإرهاب هي حربنا".

التعليق

إنه يتبين من خطاب ساركوزي أن فرنسا وضعت إيران حجر الزاوية في سياستها الخارجية للتدخل في المنطقة الإسلامية وللقيام بالأعمال السياسية وربما العسكرية فيها، وتريد أن تجعل إيران وبرنامجها النووي هي سبب المشاكل. فقد حدد الرئيس الفرنسي الزاوية التي يريد أن تنطلق منها فرنسا لتحقيق أهدافها الاستعمارية. وهذا لا بد له لكل دولة تريد أن تقوم بالعمل لتحقيق أهداف معينة تخفيها أو تظهرها ولكنها تحدد الزاوية التي ستنطلق منها والنقطة التي سترتكز عليها. فأمريكا في عهد بوش الابن حددت القاعدة لشن الحرب على الإسلام والمسلمين وأوجدت مفهوم الإرهاب ومحاربته فجعلت سياستها الخارجية مبنية على محاربة الإرهاب ولكن مقصودها احتلال البلاد الإسلامية وفرض سيطرتها ونفوذهاعليها وضرب فكرة النهضة والتحرير التي بدأت تقوى وتزداد لدى أبناء الأمة الإسلامية لتحول دون نهضتها وتحررها من ربقة الاستعمار البغيض. وقد احتلت أفغانستان تحت تلك الذريعة، ومن ثم صارت تقول أن الباكستان هي الأخطر في العالم لأن طالبان تتمركز فيها والقاعدة تنطلق منها حتى استطاعت أن تخضع الباكستان لها فأصبحت كالخاتم في أصبعها تحركها كيفما تشاء لتجعلها تحارب نيابة عنها حربا شرسة ضد أهاليها المسلمين لا تقل شراسة عن شراسة الأمريكيين ضد هؤلاء الأهالي. وقد انتفلت إلى العراق من قبل، فقالت أن صدام ونظامه يغذيان الإرهاب وأنهما يملكان سلاح الدمار الشامل لتهديد العالم بأسره حتى تمكنت من احتلال العراق. والآن بدأت تحدد زاوية أخرى وهي اليمن لتبسط نفوذها عليها وتقول أنها الاخطر على أمريكا وعلى العالم لتمركز القاعدة فيها وأن القاعدة بدأت تتخذها كنقطة انطلاق للإرهاب في العالم بعدما كانت تنطلق من الباكستان.

والآن تأتي فرنسا وتلعب نفس اللعبة وتعين إيران بأنها مصدر الأزمات الملتهبة من أفغانستان مرورا بالباكستان واليمن والصومال حتى الساحل الأفريقي وأنها تغذي العنف والتطرف بل أنها الأزمة السياسية الدولية العظمى كما وصفها رئيسها ساركوزي. فهو أي ساركوزي بتحديده الزاوية التي ستنطلق منها فرنسا يريد أن تتدخل بلاده في شؤون البلاد الإسلامية بذريعة محاربة التمدد الإيراني الذي اصطنعه ويمد يده لمساعدة هذه البلاد تحت هذه الذريعة لتقوية النفوذ الفرنسي فيها أو إعادته إليها، وهو يعلن بصراحة أن فرنسا تدعم دول الساحل وهي الجزائر والمغرب وتونس التي استعمرتها سابقا لعقود طويلة ويضيف إليها ليبيا المستعمرة الإيطالية السابقة والإنكليزية لاحقا. فدول الساحل الأفريقي أو ساحل البحر المتوسط المواجه لفرنسا ولأوروبا كان مطمعا للاستعمار الفرنسي قديما وحديثا. ويشمل هذا بالإضافة الى تلك الدول مصر التي احتلها عظيم فرنسا السابق نابليون لمدة قصيرة وتشمل فلسطين التي كسرت شوكة عظيمها هذا وردته عن اسوارها وسواحلها وجبالها فشجعت أهل مصر على الجهاد لطرده، وتشمل سوريا التي استعمرتها سابقا ولبنان الذي اقتطعتها منه وما زال لها فيه بعض النفوذ. وقد تطرق ساركوزي في خطابه إلى لبنان حيث أكد حرص بلاده على دعم سيادة واستقلال لبنان وذكر أنه يتعين على جيرانه احترام ذلك ويقصد بذلك سوريا التي طهرت من النفوذ الفرنسي ولكنها وقعت تحت النفوذ الانكليزي وأخيرا في ظل عائلة الأسد منذ أربعين عاما قد وقعت تحت النفوذ الأمريكي.

ولذلك سنسمع الكثير من نغمة التهديد الإيراني والتمدد الشيعي وخطر إيران وبرنامجها النووي والقيام بتهديدات ربما تصل إلى حد التدخل العسكري كما هدد ساركوزي بذلك تحت هذه الذريعة التي جعلها زاوية العمل السياسي لفرنسا في المنطقة. وقد بدأت فرنسا للترويج لذلك منذ بضع سنين، وتساعدها في ذلك بريطانيا بعملائها وبإعلامها التي تستهدف من ذلك الحفاظ على نفوذها في المنطقة وعلى عملائها فيها الذين يؤمنون لها البقاء فيها. وتستهدف بريطانيا أيضا العودة إلى إيران بعدما فقدت نفوذها فيها عند سقوط الشاه ونظامه اللذين كانا عميلين لها. وقد جاء ساركوزي في خطابه هذا للتأكيد على ذلك وعلى الاستمرار في حملته هذه التي تجعل إيران زاوية العمل وللقيام بأعمال أخرى والتي نوه إليها مثل التدخل العسكري.

والوعي على ذلك ضروري جدا حتى لا ينساق الناس في المنطقة من مثقفيهم ومفكريهم وسياسيهم وعامتهم وحركاتهم وتنظيماتهم وراء هذه النغمة فيروجوا لها ويبدأوا بتكرار شعاراتهم وأضاليلهم بالقول بالتهديد الإيراني والتمدد الشيعي وبخطر البرنامج النووي الإيراني الذي يهدد المنطقة وينشغلوا بذلك وينسوا العدو الحقيقي وهو قوى الاستعمار الغربية وخاصة الأمريكية والإنكليزية والفرنسية وأداتهم في المنطقة كيان يهود. بل يرتموا في أحضان هذه الدول التي هي بمثابة الذئاب للاحتماء من أخيهم الذي حولته الدول الاستعمارية إلى عدو وهمي يهددهم.

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار