December 13, 2013

خبر وتعليق التمييز الجنسي في البرلمانات الغربية (مترجم)


الخبر:


في 6 ديسمبر/كانون الأول، صدر مقال لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" بعنوان "النائبات يواجهن إيماءات جنسية في مجلس العموم"، ذكرت فيه الاتهامات المقدمة من قبل النائبة البريطانية سارة تشامبيون بشأن تلويح النواب بإيماءات فاحشة بأيديهم وسخريتهم المهينة للنائبات في الحزب المعارض أثناء تحدثهن في المناقشات البرلمانية من أجل التقليل والسخرية من مساهماتهن في المناقشات. وقالت إن هناك ثقافة جنسية "غادرة" في مجلس العموم، وأضافت "إنها جزء من الثقافة هناك، ويتم التغاضي عنها وتجاهلها...". وفي يناير/كانون الثاني، تحدث مقال في صحيفة "الجارديان" أيضا عن "الانتقادات اللاذعة الكارهة للنساء" من قبل بعض السياسيين ضد زميلاتهم السياسيات. بينما وجدت دراسة أجرتها كلية "بايربك" في لندن، في عام 2004، مستويات "صادمة" من الاعتداءات الجنسية تورط فيها نواب من جميع الأحزاب. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، نشرت صحيفة الغارديان مقالة أخرى كتبته صحافية تحت عنوان "لا بد للمرأة في البرلمان أن تسترجل" والتي اقترحت أن عددا من البرلمانيات في المملكة المتحدة تعتزمن التنحي من مناصبهن بسبب "وضع ذكوري (فتل عضلات) في البرلمان" لا يطاق. وأشارت الصحفية إلى شكاوى من نائبة أخرى بأن بعض النساء قلما تتحدثن في مجلس العموم خوفا من تعرضهن للسخرية من قبل الرجال لأن أصواتهن عالية النبرة. واقترحت الكاتبة أن "المشكلة ليست في كون بعض السياسيين هجوميين ولكن في أن سياسيات اليوم لا يبدو أنهن يعرفن كيفية التعامل معهم".


التعليق:


المملكة المتحدة ليست بأي حال فريدة من نوعها في الثقافة الجنسية التي لا تزال تعصف بالدوائر السياسية للدول العلمانية الغربية. فقد أدانت عدد من السياسيات في كل فرنسا، وإيطاليا، وأستراليا، السلوك الكاره للنساء المتأصل وعلى نطاق واسع عند النواب الذكور في برلماناتهم. وكانت تعليقات رئيسة الوزراء الأسترالي السابقة، جوليا غيلارد، حول الهجمات القائمة على التحيز الجنسي التي لا هوادة فيها التي ابتليت بها قيادتها، كانت قد حظيت بتغطية إعلامية كبيرة. كل هذا يدل على أن كراهية النساء المتأصلة لا تزال تكمن داخل المؤسسات السياسية للدول العلمانية الغربية على الرغم من مضي قرنين من النضال من أجل المساواة بين الجنسين داخل مجتمعاتهن. والسؤال هو لماذا؟


لقد فشلت النسويات من إدراك أن الخطوة الأولى لإزالة التمييز الجنسي عن المجتمعات لا تكون عن طريق ضمان حصول الرجال والنساء تماما على نفس الحقوق والأدوار في الحياة، ولكن عن طريق وجهة نظر الاحترام والتكافؤ التي يتم إنشاؤها تجاه المرأة داخل الدولة. هذه النظرة قد تآكلت بفعل القيم التي تنبع من النظام الرأسمالي والمعتقد العلماني. ففي إطار الحريات الجنسية والاقتصادية الليبرالية على سبيل المثال، فإن شركات وصناعات الترفيه وإنتاج المواد الإباحية قد سمحت، من أجل الربح، بتقديم المرأة كأداة للعب لسد رغبات الرجال. حتما إن هذا لم يحط فقط من قيمة المرأة في أعين كثير من الرجال، بمن فيهم عدد كبير من الذين يجلسون في البرلمانات، ولكن أيضا قوض المحاولات الرامية إلى إزالة وجهات النظر التقليدية التي عفا عليها الزمن من المجتمعات التي ترى المرأة على أنها أقل من الرجل. بالإضافة إلى ذلك، فمن الواضح أن العقلية الرأسمالية التي تشجع الأفراد على تأمين مصالحهم بأي حال وكيفية وثمن، قد أدت ببعض السياسيين إلى إهانة النساء لمجرد نيل الفوز في المناقشات. وعلاوة على ذلك، فإن تطبيق المساواة بين الجنسين في واقع الأمر يسيء إلى المرأة، لأنها أوجدت بيئة حيث يتوقع منها أن تكون مثل الرجل لكي تستطيع أن تشق طريقها أو بأن تعتبر ناجحة في الحياة. إن عدم القدرة على متابعة المباراة بهذا "المعيار الذهبي الذكوري" غالبا ما يجعل النساء عرضة للتمييز ضدهن في أماكن عملهن، على سبيل المثال بسبب الحمل، أو أن يستهزأ بهن في البرلمانات بسبب نبرة أصواتهن !


بالتأكيد، فإن السؤال الذي يحتاج إلى أن يثار هو: كيف يمكن للمرأة أن تثق في هذا النظام السياسي العلماني لمعالجة احتياجاتها بفعالية، وتأمين كرامتها، ولحل مشاكل مثل التحيز والتمييز وسوء المعاملة ضد المرأة وحقوقها، عندما يكون تشريع قوانين دولهن واتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهن اليومية تسن من قبل أشخاص يحملون مثل هذه التصورات الرجعية، وعدم الاحترام، التي تحط من النساء، بل إنهم أيضا على استعداد لمعاملتهن علنا وفقا لذلك؟ إن غالبا ما يجادل أنصار الديمقراطية بأن التمثيل في البرلمانات يجب أن يكون مرآة للمجتمع؛ إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يعكسه بالضبط العديد من المجالس التشريعية في الدول العلمانية على حياة النساء في تلك المجتمعات؟ وإذا كان أولئك الذين يحكمون هذا النظام العلماني قد فشلوا في اقتلاع هذه الثقافة الكارهة للنساء من أعلى الهيئات الحاكمة في أراضيهم، فما هو الأمل الذي لديهم من إزالتها من مجتمعاتهم؟ وعلاوة على ذلك، في حين أن غالبا ما يتهم تطبيق الشريعة الإسلامية، التي تنبع من الخالق، بخلق مجتمع أبوي (بطريركي)، فهل يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر أبوية من البرلمانات التي يهيمن عليها الذكور، وتؤوي السياسيين الذين هم على استعداد للتعبير علنا ويظهرون سلوكا مهينا تجاه المرأة ويملون للنساء الكيفية التي ينبغي عليهن أن يعشن حياتهن؟


وعلى الرغم من أن الإسلام قد ضمن للمرأة والرجل نفس الحقوق السياسية والاقتصادية والتعليمية والقانونية والرعوية قبل 1400 سنة، فإن بعض العلمانيين لا يزالون يوجهون الإدانة للإسلام لرفضه مفهوم المساواة بين الجنسين المستوحى من الغرب، والذي ينعكس في تشريع الإسلام أدوار وحقوق مختلفة للرجال والنساء في القوانين الاجتماعية والأسرية. ومع ذلك، فإن نظرة الإسلام للمرأة بأن لها نفس قيمة ومنزلة الرجل، إلى جانب القوانين التي تحظر بشكل قاطع التقليل من قيمة كرامتها، التي ينظر إليها بأنها لا تقدر بثمن، هي التي تضمن معاملتها باحترام وأن نيلها لحقوقها التي منحها الله، بما في ذلك حقها في التعبير عن آرائها السياسية مضمون دون تعرضها للسخرية. وعلاوة على ذلك، فإن تقدير الإسلام بدلا من ازدرائه للفروق بين الجنسين يعني أن الإسلام لا يتوقع أن تكون النساء مثل الرجال حتى يتمكن من شق طريقهن في الحياة، بل إنه يمجد فيهن صفاتهن الفريدة من نوعها وطبيعتهن كنساء. بالإضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن التشريعات في ظل نظام الخلافة الإسلامية تنبع من الخالق، العليم، الخبير، تقدم للنساء الحلول الناجعة لمشاكلهن بدلاً من تقديم تلك الحلول المعيبة التي تنبع من العقول البشرية الضعيفة. كما أنه يحميهن أيضا من إخضاعهن لتلك القوانين التمييزية التي يشرعها أولئك الذين قد يحملون وجهات نظر سلبية تجاه المرأة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الدكتورة نسرين نواز
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار