خبر وتعليق   التنسيق الأمني عقيدة أمنية وسياسية راسخة في المشروع الوطني الفلسطيني
June 05, 2014

خبر وتعليق التنسيق الأمني عقيدة أمنية وسياسية راسخة في المشروع الوطني الفلسطيني


الخبر:


نقلت وكالات الأنباء تصريحات رئيس السلطة الفلسطينية عباس التي قال فيها أن التنسيق الأمني مع الاحتلال اليهودي مقدس، وأنه سيستمر في عهد الحكومة الجديدة سواء "اتفقنا أو اختلفنا"، وذلك خلال لقائه مع ناشطين من حركة السلام الآن اليهودية في مقر الرئاسة في رام الله، وحثّ عباس على تطبيع العلاقات مع كيان يهود، معتبرا أن المفاوضات هي الطريق الوحيد للسلام.

التعليق:


من المعروف أن عباس هو مهندس اتفاقية أوسلو التي نصت على "إنشاء لجنة مشتركة للتنسيق والتعاون بشأن أغراض الأمن المتبادل" وحمّلت الأجهزة الأمنية الفلسطينية "المسؤولية عن الأمن الشامل للإسرائيليين والمستوطنات". وهي التي فتحت المجال لممارسة العهر السياسي تحت مسمى المشروع الوطني، وتمكنت المنظمة عبره من تحويل "المناضلين القدامى" إلى حرس حدود عند ذلك الاحتلال، وفتحت المجال لما كانت تدّعي رفضه من تعاون أمني في مشروع "روابط القرى". وكانت تلك البنود تجسيدا عمليا لبعض مقررات المجلس الوطني الذي انعقد في الجزائر 1988، والتي أبدى المجلس الوطني فيها استعداده الكامل لحفظ أمن الاحتلال، مما يكشف عن نية مبيتة لدى منظمة التحرير لتلك الخيانة. وقد نجحت المنظمة في تمرير هذا العار بل تحول إلى شعار، لا يخجل منه من يعتبره مرتزقة المشروع الوطني زعيما وطنيا.


لقد سجلت منظمة التحرير أسبقية تاريخية في تحويل منظمة تحرّر - ادّعت الكفاح المسلح ضد الاحتلال - إلى مشروع أمني في خدمة ذلك الاحتلال، بل يلاحق من يفكّر بالكفاح المسلح، أو من يقاوم ذلك الاحتلال ومن يرفضه.


إن جريمة عباس - ومنظمته - في ترتيب ملف أوسلو الخياني لم تكن الأولى بحق فلسطين وأهلها وقضيتها، بل إنه اعترف في كتابه طريق أوسلو بدوره الفعال في تمرير نهج الاتصالات السرية بين رجالات المنظمة وبين "الإسرائيليين"، في مراحل مبكرة من نشأة منظمة التحرير (عندما كانت المنظمة تعتبر تلك الاتصالات خيانة!).


ويؤكد عباس أنه رفع في فترة السبعينات شعار "الاتصال بالقوى الإسرائيلية" من أجل السلام، وأنه أوقع بعدد من رجالات المنظمة في تلك المصيدة (وذكر أسماءهم)، وأنه بعدما تلقى هجوما عنيفا من مختلف الأوساط الفلسطينية، استطاع انتزاع قرارات من المجلس الوطني في دورته الثالثة عشرة عام 1977 بجدوى الاتصالات السرية مع اليهود، وبيّن أهمية التأكيد على ذلك مرارا ضمن دورات المجلس الوطني في الأعوام 1981 و1982 و1987 و1988، مما جعل تلك الاتصالات السرية "ذات طابع شرعي محمي بالقرار الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني"، فحصن عباس نفسه بتلك القرارات من السقوط تحت تهمة الخيانة العظمى.


لذلك صار عباس بعد ذلك صريحا سافرا في الاعتراف بالخيانة في جلسات المنظمة بعدما أمن العاقبة، إذ ذكرت جريدة السفير في 1992/9/30 أنه واجه عرفات بالحقيقة خلال اجتماع المجلس الثوري لحركة فتح في أيلول 1992، ودعا إلى ضرورة المصارحة بالقول "من واجبنا ألا نكذب عليكم، وأن نصارحكم بالحقيقة ... والحقيقة أننا إنما نحاول فقط تحسين صورة النتائج التي نعرف أنها غير مرضية، وأنها تكاد تكون في مستوى الخيانة الوطنية... فما سوف نتوصل إليه سيكون مرفوضاً ولا بد لنا مع ذلك أن ندافع عنه".


إن هذا التعبير الوطني (!) عن عقيدة سياسية منحطة لدى عباس هو انعكاس للعقيدة الأمنية المتحدية للأمة والتي فتح عباس الباب فيها أمام الجنرال الأمريكي - دايتون - ليربي أفراد الأجهزة الأمنية عليها، وهي نتيجة طبيعية لذلك السجل الخياني الذي خطّه عباس بسبق الإصرار والترصد.


إن من يشكك في خيانة رئيس السلطة الفلسطينية وفي عار التنسيق الأمني وفي عار إنشاء سلطة تحت الاحتلال اليهودي لحماية أمنه، يلقي بنفسه في وحل الخيانة من حيث يدري أو لا يدري، إذ كيف يمكن لمن يشك في الخيانة السافرة أن يعرف الشرف والإخلاص.


وإن الالتقاء على حكومة ائتلاف تحت مسمى المصالحة لمثل هذه السلطة التي تقدس المشروع الأمني هو عار جديد، ودحرجة مستمرة لقضية فلسطين في منحدرات التخاذل والتنازل، وإنه لمن المؤسف أن تصدر على منابر المساجد دعاوى باطلة تعتبر ذلك الاتفاق السياسي على مشروع السلطة الحامية لأمن اليهود فرضا إلهيا، مما يمكن معه لعباس أن يفتخر بإنجازه الهائل: إذ إنه لم ينجح فقط في تلويث رجالات المنظمة بعاره، بل إنه عبر ذلك الاتفاق المسمى مصالحة يجرّ معهم من يحمل شعار الإسلام.


وهو ما مهد الطريق نحو ليّ أعناق نصوص الوحدة بين الأمة الواجبة إلى واقع التوحّد على رؤية فلسطينية باطلة تستظل بظل هذه العقيدة السياسية الخيانية، مما يمثل ردة سياسية بشعة على المواثيق الثورية، ونقضاً صريحاً لها، مما يُستحضر معه ما ذمّه القرآن من نقض اليهود للمواثيق.


﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾




كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الدكتور ماهر الجعبري
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار