خبر وتعليق   التقشف في رعاية المسنين وإنفاق المليارات على الأولمبياد   مترجم
January 05, 2013

خبر وتعليق التقشف في رعاية المسنين وإنفاق المليارات على الأولمبياد مترجم

إن عام ألفين وثلاثة عشر يقترب، والعديد من الناس يعانون من تأثير سياسة التقشف الحكومي في المملكة المتحدة، حيث تشمل هذه السياسة، الخدمات العامة ومن ضمنها الخدمات الخاصة لكبار السن من الرعاية الصحية، حيث ستغلق بعض الأقسام في المستشفيات بحجة أن المال أصبح شحيحا وأن على الحكومة أن تسلك سياسة التقشف في النفقات لسد العجز في الميزانية، وكما تقول الحكومة: "على كل فرد شد الحزام و تقاسم الألم".


وبالعودة بضعة أشهر إلى الوراء حيث الأولمبيات التي أقيمت في لندن، نرى كيف كانت الاحتفالات مهيبة ومدهشة للعالم وبشكل خاص في بريطانيا، فقد أظهرت الاستطلاعات أن الرأي العام البريطاني، أجمع على أنها كانت احتفالات ممتعة ومسلية وتستحق المال الذي أنفق لأجلها، وكانت وجهة نظره أنها كانت تعبر عن روح التسامح وتعدد الحضارات وتقبلهم للثقافات، وقد حصل المشاركون ذو الأصول الصومالية والمنحدرون من البحر الكاريبي على العديد من الميداليات الذهبية.


وبعد هذا الحدث تأتي الحكومة لتسلك سياسة التقشف، على الرغم من وجود الكثير من الأسر التي تكافح من أجل الحصول على الغذاء والطعام لأطفالها، وفي هذا الوقت نسترجع الألعاب الأولمبية والإنفاق الباهظ الذي أنفق عليها.


وهنا نذكر بعض الحقائق، حيث كان من المفترض أن تكلف هذه الألعاب ما يقارب (2-3) مليار جنية إسترليني، وفي نهاية الإعداد كلفت ما يقارب (9) مليار جنية إسترليني، في حين أن الحكومة كانت تصرح وتقول: يجب أن نسلك سياسة التقشف، وعلى ما يبدو أن الأمر كان فقط للنفقات العامة لا للشركات الخاصة، وأن خزينة الدولة مغلقة أمام النفقات العامة، ولها سقف يصل إلى (9)مليار جنية. ومردود هذه الألعاب ذهب إلى الأثرياء والمستثمرين المقاولين الإداريين.


ومن الجدير ذكره أن رئيس بلدية لندن بوريس جونسون تحدث قبل الألعاب الأولمبية قائلا: "إنها دفعة رائعة للاقتصاد". وقال أيضا ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا: "إنها فرصة جيدة لزوار لندن" وتوقع قائلا: إن هذه الألعاب سوف تجني الدولة منها ما يقارب (13) مليار جنيه". إلا أن الأمور سارت على النقيض من توقعهم؛ حيث أن كثيرا من السياح الذين قدموا إلى لندن لمشاهدة الأولمبياد قضوا وقتهم خارج لندن خلال فترة الألعاب.


ومن المعلوم أن الملاعب قد بنيت في منطقة اسمها (استراتفورد) شرق لندن، وكان هناك تساؤلات كثيرة، حول ما بعد هذه الألعاب، وفيما سوف تستخدم هذه الملاعب؟ وكان هناك أيضا تساؤلات أخرى، هل ما سيحصل عليه أبطال الرياضة يستحق هذا الإنفاق، وكثير من مثل هذه التساؤلات كانت من عوامل إفساد متعة المتابع للأولمبياد، وهناك من كان يخدع نفسه بقوله دعونا ننفق هذه الأموال من أجل هذه الميداليات الذهبية في هذا العام 2012. وننظر أيضا إلى الألعاب التي سوف تحدث في ريو دي جانيرو عام 2016 ونقارنها بها، مواسيا نفسه.


إذن لنقف قليلا عند هذا الحدث؛ الذي تم الإنفاق عليه ما يزيد عن (9) مليار جنيه إسترليني، ونتساءل: أليس من الأجدر أن تصرف هذه الأموال في رعاية المسنين؟ بل هناك العديد من مشاريع البنية التحتية التي كان يمكن أن توفر العمل للكثير من العاطلين عن العمل، حيث الكثير يشكون ارتفاع الفواتير المستحقة عليهم في الطاقة وغيرها، ويشهد المجتمع الكثير من ارتفاع عدد المعتمدين على المساعدات الغذائية التي توفرها الدولة للمحتاجين وغير القادرين على العمل.


أليس هذا الأمر من الجنون في الرعاية بحيث تنفق الأموال الضخمة على الألعاب بينما الإنفاق سهل على الحكومة إن أرادت ذلك؟. وعلى النقيض يقلص الإنفاق على المستشفيات والخدمات العامة والمدارس. أليس هؤلاء الذين أمضوا عاما كاملا يطلبون من المواطنين شد الحزام وهم من قدّر الأولويات في الإنفاق والتقشف؟ فما هي القيم التي على أساسها يقدم هذا على ذاك؟ وما هي القيم التي تسمح بالتخلي عن المسنين الذين قضوا حياتهم من أجلهم؟ وما هي القيم التي تعطي الأولوية للتمتع بضعة أسابيع والشعور الجيد في هذه الفترة على حساب الخدمات العامة التي سوف يحرم منها الناس على مدار السنة وتشمل قطاعا كبيرا من الناس؟


وهنا نقول إن هناك بعض الأصوات في بلاد مثل مصر وتونس وليبيا تدعو إلى محاكاة الغرب في حياتهم والعيش مثلهم. ألا يعلمون كيف هم يقدمون الأولويات؟ وما هي القيم التي يسيرون عليها حياتهم من تعزيز النزعات الفردية والتمتع قصير الأجل على حساب الفقراء والخدمات التي يقدمونها لشعوبهم؟


أليس الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- من قال: "ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع". إن من المعلوم في دولة الخلافة الإسلامية أنها تضمن توفير الحاجات الأساسية لرعاياها، وتوفر لهم سبل الحياة الكريمة، فلا تقدم الأمور الترفيهية على الأمور السياسية كما فعلوا هم من تقديم الترفيه في الألعاب على حساب الفقراء والخدمات العامة، وأيضا لا تسمح الدولة بالتركيز على البذخ في حين أن الآخرين يعانون من الفقر والبرد. وما فعلته الحكومة البريطانية من الإنفاق في غير مكانه، والقيم التي يطبقونها ما هي سوى دليل على مدى الانحطاط الفكري وسوء رعاية الشؤون عند هؤلاء الرأسماليين.

تاجي مصطفى - الممثل الإعلامي لحزب التحرير في بريطانيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار