January 14, 2014

خبر وتعليق الطوق المُحكَم


الخبر:


بثت إحدى قنوات دبي الفضائية قبل يومين الفلم الوثائقي الحاصل على الأوسكار (Inside Job) "مهمة داخلية"، وقد أنتج هذا الفلم عام 2010 ولكنه عرض مترجما للعربية هذه المرة. والفلم يكشف الكثير من خبايا عالم المال والسياسة في أمريكا خاصة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية والتي أرجع صاحب الفلم أسبابها إلى استشراء نفوذ أرباب المال والبنوك ووصول نفوذهم إلى داخل البيت الأبيض مباشرة بل وإلى الجامعات الأمريكية الكبرى مثل هارفارد وغيرها. ما أتاح لهم التغطية على كثير من الحقائق على الأرض والتي كانت تشير إلى حصول أزمة اقتصادية هائلة وخسارة ملايين الناس لوظائفهم وبيوتهم علاوة على الأموال والإفلاس. كيف لا وقد وصل حجم الاقتصاد الوهمي إلى أكثر من 600 ترليون دولار، ومما فضحه الفلم التمويل الضخم للحملات الانتخابية من قبل البنوك فقط والذي وصل إلى 5 مليارات دولار، وإلى المبالغ الطائلة التي كان يتلقاها أساتذة الجامعات المشهورين من أجل كتابة تقارير مالية للدول من أجل إخفاء أو تأجيل انكشاف المستور وبناء المزيد من الأوهام الاقتصادية للشعوب حتى حصلت الأزمة فخسر من خسر وأفلس من أفلس وأغلقت مصانع وشركات وبنوك وفقدت وظائف... ثم مع كل ذلك يقوم الساسة في أمريكا بإنقاذ البنوك وأصحابها مع أنهم هم أس الداء.


ولا يخفى هنا دور الإعلام مع الساسة وأصحاب المال في تزوير الحقائق والتعمية عن حقيقة فشل النظام الكامل وبناء قصور في الهواء للناس، فالطوق محكم على الحقيقة لا ينفذ منه إلا القليل، هذا في بلد كأمريكا...

التعليق:


إذا كان هذا هو حال أقوى الدول "الديمقراطية" في العالم، مؤامرات وخداع وتضليل ونهب وسلب ورشا، فكيف لا يزال المسلمون يثقون بفكر الغرب ومفاهيمه وديمقراطيته؟ كيف يقبلون بالرأسمالية أو مشتقاتها التجميلية "الدولة المدنية" "الحرية" "العدالة الاجتماعية" ... الخ.


ثم ألا يتكرر هذا الواقع في بلادنا؟


نظرت إلى الواقع المصري فوجدته صورة مصغرة عن الأم أمريكا ولكن الصورة هذه المرة فاضحة وكالحة أكثر، إعلاميا وسياسيا وماليا؛ فـ"شِلة" أصحاب المال أمثال ساويروس ينفقون بسخاء على "شِلة" من الإعلاميين المقززين فيصبح في مقاييس هؤلاء الأسود أبيض والأبيض أسود، وجهاز القضاء ـ والذي أقسم أمامه مرسي بحفظ النظام الجمهوري ومدحه ومدح رجالاته يوما ـ ما هو إلا "شلة" من شهود الزور والجلادين لا غير.


أما "شِلة" الساسة فهم ألعوبة في يد "شلة" العسكر التي تمسك بزمام الأمن والاقتصاد والإعلام والمشايخ أيضا... فكل تلك "الشِلل" تقوم بدورها المطلوب منها لتمرير مخططات أمّهم أمريكا، والمواطن العادي أصبح ألعوبة في أيديهم، ويراد تسييره كالروبوت إلى صندوق الاقتراع لتكتسب تلك "الشلل" مصداقية وقانونية أكثر... في زمن السنوات الخداعات هذا.


هذا الواقع المصري الذي أصبح مفضوحا هو نفسه في بلاد المسلمين الأخرى، وإن كان يحاول إخفاء وجهه الحقيقي الكالح بمساحيق كثيرة... ولا حاجة أن نخوض في واقع الحال في دول أخرى كالسعودية التي ينهب آل سعود ثرواتها ويعيش أغلب الناس ضنكا ثم تجد الأبواق الإعلامية تلهي الناس ومشايخ السلطان تخدرهم...


ولكن لنأخذ الواقع السوري، فهناك تجتمع "شلل" السياسة والإعلام والمال على مستوى عالمي لتحرف الثورة عن مسارها الصحيح...أما "شلل" نظام الأسد ومن ورائه إيران فهي واضحة مفضوحة، وأما حكام الخليج وعلى رأسهم السعودية وقطر فيتحركون بقوة لشراء ولاءات الكتائب والألوية المقاتلة للنظام، والأردن يقوم بالعمل الاستخباراتي على أكمل وجه، وتركيا ترعى الائتلاف وتضع اللاجئين تحت الاعتقال، والإعلام العربي وعلى رأسه الجزيرة والعربية يلعب الدور المرسوم له جيدا، من تشويه لحقيقة الثورة ومسعاها، بل هو تشويه "ذكي للأسف" لمطلب أهل الشام الواضح للإسلام ودولته، ولن يصعب على الساسة وأرباب المال والإعلام الإتيان بما يسمونهم "الخبراء" و"المحللين" وأصحاب المعاهد البحثية و و و...كي يحرفوا الوقائع ويوجهوا الرأي العام إلى حيث يراد، حيث أصبحت تجد الكثير من الناس يساوي بين ثوار الشام ونظام الأسد، ولا شك أن بعض الفصائل تساهم في هذا التضليل بحسن نية أو بسوئها، ولكن قبل ذلك بسبب المال والسلاح المشروط وعدم وجود الوعي على حبائل الدول ومخططاتها.


وفي المحصلة فإن الطوق المضروب على الحقيقة محكم أيما إحكام، فهل يمكن كسر هذا الطوق يوما؟ وما هي الوسائل المتاحة في أيدي المخلصين الواعين؟ وهل ستنتهي هذه السنوات الخداعات التي يكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب؟


لقد سبق وكسر مثل هذا الطوق يوما، كسره محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم مع صحابته الكرام، لما أذن الله سبحانه وتعالى بذلك، فتقلبت الأوضاع والظروف في سرعة البرق وانقلب السحر على الساحر وحصل التمكين في الأرض وحطم نافوخ الكفر ودالت الدنيا عليه...


وهكذا يكون بحول الله تعالى في قابل الأيام... بإيمان صادق، وبنوايا صادقة، وهمم عالية، وتجرد واضح لله تعالى، يصاحب العمل المتواصل لكسر الطوق بكل ما أوتي المخلصون من قوة في الفكر وإبداع في الأساليب، وبدون كلل ولا ملل، فإن الشروخ في ذلك الطوق أصبحت تظهر بين الحين والآخر وآن أوان كسره نهائيا... يوم تشرق شمس الخلافة على الدنيا ويعلو صيتها ليملآ الآذان، وترفرف راياتها في عنان السماء.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
م. حسام الدين مصطفى

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار