December 11, 2013

خبر وتعليق أما آن لهذا الانحدار أن يتوقف


الخبر:


كشف تقرير مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية العالمية يوم 2013/12/3 أن المغرب بات يحتل الرتبة 91 عالمياً في مؤشر الفساد العالمي (177 دولة)، ما جعل منظمة الشفافية العالمية تضعه في خانة الدول الأكثر فساداً في العالم إلى جانب إثيوبيا والجزائر وجيبوتي ودول أخرى تحسب على تلك الأكثر فشلاً. كما حصل المغرب على معدل 37 على 100 على سلم الدول الأكثر فساداً، ما جعله يحتل مرتبة جد متدنية حسب معايير المنظمة. يشار إلى أن المغرب كان يحتل المرتبة 88 قبل سنة، والمرتبة 80 قبل سنتين. أي أن المغرب تراجع 11 درجة في سنتين.


وقد اعترف رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران في المجلس الحكومي المنعقد يوم 2013/12/5 بأن البلاد "لم تحقق التقدم المرجو في مجال محاربة الرشوة مثلما تقدمت في المجالات الأخرى".

التعليق:


رغم إطلاق الحكومة قبل سنة لحملة إعلانية للتوعية ضد الرشوة ورغم إقرارها للإستراتيجية الوطنية لمحاربة الرشوة التي تمتد إلى غاية 2016 فإن المغرب ينحدر من سيء إلى أسوأ باعتراف السيد بنكيران الذي يريد محاربة الفساد بإقرار سياسة الإفلات من العقاب "عفا الله عما سلف"، ويريد محاربة الرشوة بوصلات إعلانية سطحية لم تستوعب كل أنواع الرشوة وخاطبت المواطن البسيط بخطاب لم يربط سلوكه بعقيدته الإسلامية؛ فما بينت حكم الرشوة ولا حذرت الراشي والمرتشي والواسطة بينهما عذاب الله وسخطه. فكان أن هوى المغرب في سلم الانحطاط دركات.


وبخلاف ما اعترف به بنكيران فإنه لم يبق ميدان لم نتراجع فيه ولم ينخره الفساد والإهمال وسوء الإدارة. إن وضع بلادنا هو بحق مؤسف حزين.


على المستوى السياسي: لقد خيبت الحكومة كل آمال الشعب الذي طمع بعد انطلاق أحداث الربيع العربي في إمكانية حدوث تغيير حقيقي، لقد استمرت الأوضاع كما كانت عليه دوماً، حكومة ضعيفة يسيرها القصر من خلف ستار وغالباً بلا ستار. الحزب "الإسلامي" لَحَسَ كلَّ وعوده بمحاربة الفساد، وأصبح يؤيد كل ما كان يحاربه من مهرجانات العري والتبذير حين كان في المعارضة. تفاهة سياسية تجعل حزباً ينسحب من الحكومة ويوجد أزمة سياسية دون أن يفهم أحدٌ لماذا، وانتهازية سياسية بغيضة تزجّ بحزب آخر فيها وقد قامت الحجة الدامغة على تورط رئيسه في فضيحة فساد مالي. وباقي الأحزاب تعارض فقط من أجل المعارضة دون أي مشروع سياسي، تتحين الفرصة للانقضاض على السلطة من جديد إن حالفها الحظ ونالت رضا القصر.


على المستوى الاقتصادي: على الرغم من كل مزاعم الحكومة من أن المغرب لم يتأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية، فإن الواقع يؤكد عكس ذلك تماماً، فلا حديث للناس إلا عن الكساد والتوقف شبه الكامل لعجلة الاقتصاد. تشير الإحصائيات الرسمية أن ما لا يقل عن 15% من سكان المغرب (5 مليون شخص) يعيشون تحت خط الفقر، و25% من السكان (8 مليون شخص) يعيشون على حافة الفقر، و50% ممن يعيشون فوق خط الفقر (4 مليون شخص) يعتبرون في وضع هشٍّ اقتصادياً، أي أنهم يوشكون أن يقعوا دون خط الفقر لأدنى سبب. إن الكل يعلم أن ما وراء بعض المظاهر البراقة في المدن الكبرى، يكمن واقعٌ مزرٍ من الفقر والحرمان، وأن الابتعاد قليلاً عن محيط هذه المدن يُريك المغربَ الحقيقيَّ، حيث لا طُرُق ولا تجهيزات ولا مرافق، حيث يموت الناس من البرد والإهمال وقلة الرعاية الصحية. إن الانتقال إلى هذه المناطق أقرب إلى ركوب آلة السفر في الزمان للرجوع عقوداً إلى الوراء. في الوقت نفسه تستمر اللوبيات نفسها في نهب البلاد والاستئثار بالخيرات وتكديس الثروات.


على المستوى الأمني: لا حديث للناس ولا للإعلام إلا عن تفشي الجريمة وإبداع المجرمين المتجدد في أساليب الاعتداء على المواطنين وترهيبهم (تثبت الإحصاءات الرسمية تنامي جرائم الاعتداءات الجسدية بمعدل حوالي 7% سنوياً)، لقد أصبحت الاعتداءات على الناس في واضحة النهار شيئاً معتاداً، بل وأصبحت أخبار استعمال السيوف في هذه الاعتداءات من خبزنا اليومي!


على المستوى الاجتماعي: لا يخفى على أحد السمعة السيئة التي أصبحت تلاحق بلدنا بوصفه وجهة مفضلة للسياحة الجنسية، فبناتنا بل وذكورنا، البالغون والقُصَّر، أصبحوا معروضين للبيع داخل وخارج المغرب، تحت سمع وبصر الأجهزة الأمنية التي تكتفي في أحسن الأحوال بتهجير المعتدين دون أي عقوبة.


هذا دون الحديث عن الوضع المزري لقطاعات التعليم والصحة والقضاء... التي تعج بالفساد والإهمال.


إن المسألة ليست اتهاماً للجميع بقلة الكفاءة أو الفساد، فالكل يعلم أن المخلصين المتفانين موجودون ولكنهم قلة مُبعَدة عن مراكز القرار. كما أن المسألة ليست نظرة سوداوية متشائمة للأوضاع، بقدر ما هي تشخيص للأوضاع كما هي لا كما نتمنى أن تكون.


أما الحل، فإننا لن نتردد في ترديد أنه يكمن في نبذ هذه الشرائع الوضعية الفاسدة التي أورثتنا الضعف والهوان، وتطبيق شرع الله، ليس بالصيغة "المعتدلة" التي ترضي الغرب وأتباعه، ولكن صافياً نقياً كما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، بالشكل الذي يرضي الله ورسوله، فيرفع عنا الله تعالى هذا الضنك الذي نعيشه ويفتح علينا بركات السماء والأرض.


أما كيف يكون تطبيق شرع الله، فبمبايعة خليفة راشد على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله، ولهذا يعمل حزب التحرير منذ عقود، ويدعوكم للمسارعة للعمل معه لإقامة فرض الفرائض الخلافة لعل الله يكتب لكم نصيباً من هذا الخير العميم.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد عبد الله

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار