خبر وتعليق   أمريكا ليست في الحقيقة دولة ديمقراطية ليبرالية
November 09, 2013

خبر وتعليق أمريكا ليست في الحقيقة دولة ديمقراطية ليبرالية


الخبر:


في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر 2013، قدّم بعض المسؤولين الأمريكيين تنازلات بشأن تكتيكات التجسس في الخارج، حيث قال مسؤولون أمريكيون أنه تم تعديل إجراءات المراقبة الخصوصية على كيفية إدارة الحكومة الأمريكية لبرامج مراقبة الإنترنت والهاتف، طالما أنها لا تؤثر على نجاعة البرامج.


التعليق:


يقول الكاتب الأمريكي مايكل باين: "إنّ العلاقة القائمة بين الحكومة والشعب علاقة عدائية، وغير مفهومة، وأكثر من مأساوية، يسودها الخوف وانعدام الثقة بين الطرفين، والسياسات والإجراءات الحكومية تهدم الأسس الدستورية لهذا الشعب، وإن لم يتم التخلص من هذه الشمولية الحالكة بطريقة أو بأخرى؛ فإنّ أمريكا ستصبح جحيماً لا يطاق".


تتصدر أخبار تجسس الولايات المتحدة على الداخل والخارج العناوينَ في جميع أنحاء العالم، حيث تتكشف أسرار جديدة عن هذه العمليات مع كل يوم يمر. أما من يتجسس في الداخل فهي وكالة الأمن القومي (NSA)، التي تقوم بالتجسس على ملايين المواطنين من خلال التنصت على مراكز البيانات في كبرى الشركات الأمريكية مثل جوجل. ولقد انتقد الرئيس التنفيذي لشركة جوجل (إريك شميدت) ممارساتِ وكالة الأمن القومي، حيث قال: "إنّه لأمر مشين حقاً أن تتجسس وكالة الأمن القومي على مراكز بيانات جوجل! وانتهاك الوكالة لخصوصية الناس أمرٌ غير مقبول".


ومع ذلك، لا تُعفي تصريحات شميدت الشركاتِ الأمريكية من فضيحة التجسس، بل على العكس من ذلك، فإنّ وجود برنامج (PRISM) سيئ السمعة، الذي يجمع اتصالات الإنترنت بالتعاون مع كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية، مثل جوجل، وياهو، ومايكروسوفت، يبدد استنكارَ شميدت. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ برنامج (PRISM) هو المصدر الرئيسي للمخابرات المستخدمة في تقارير وكالة الأمن القومي التحليلية، والتي تشكل 91% من حركة المرور على الإنترنت لوكالة الأمن القومي التي تحصل عليها بموجب قانون "مراقبة المخابرات الأجنبية 702"، وهذا يضع شركات التكنولوجيا الأمريكية بشكل مباشر في طليعة ممارسات التجسس الرقمية.


إنّ الحجم الهائل والضخم لعمليات التجسس التي تقودها وكالة الأمن القومي (NSA) مبهرٌ للعقول، فعلى سبيل المثال، قامت الوكالة في فترة ما بين 10 كانون الأول/ديسمبر 2013م و 8 كانون الأول/يناير 2013م، بالتجسس على أكثر من 70 مليون مكالمة هاتفية في فرنسا، وفي إسبانيا. وفي شهر واحدٍ فقط تنصتت الوكالة على 60 مليون مكالمة هاتفية في إسبانيا، وتجسست الوكالة أيضاً على 35 زعيماً أجنبياً على الأقل، منهم أنجيلا ميركل، التي تم التنصت على هاتفها لأكثر من 10 سنوات، ولقد ألغى الرئيس البرازيلي (ديلما روسيف) زيارة له إلى الولايات المتحدة للاحتجاج على ذلك، وورد في بيان صدر باسم ميركل: "ينبغي أن يكون هناك مثل هذا الرصد من الاتصالات بين الأصدقاء والشركاء"، وورد في البيان أن السيدة ميركل قالت لأوباما: "يجب إيقاف هذه الممارسات فوراً".


وإذا نحينا أعداءَ أمريكا جانباً، فإنّ المواطنين الأمريكيين وحلفاء أمريكا في الخارج يجب أن يتساءلوا عن جرائمهم التي ارتكبوها لتبرير مثل هذا الاقتحام واسع النطاق على خصوصياتهم، لكن حكومة أوباما عملت على تهدئة الغضب من ممارسات الوكالة بتقديم مبررات ضعيفة، مثل أن أمريكا ليست الدولة الوحيدة التي تمارس التجسس، ومثل أنها تهدف من خلال التجسس إلى مكافحة الإرهاب، فقد ادّعى مدير وكالة الأمن القومي (الجنرال كيث ألكسندر) بأنّ وكالة الأمن القومي (NSA) ساهمت في إحباط 54 مؤامرة إرهابية، ولكن نائب مدير وكالة الأمن القومي اعترف بعد الضجة الإعلامية بأن الوكالة لم تحبط إلا مؤامرة إرهابية واحدة.


وكان من تداعيات برنامج التجسس الأمريكي مواجهة عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، مثل مايكرسوفت، وجوجل، وفيريزون، وAT & T، لقضايا مصداقية بعد أن ضبطت بالجرم المشهود وهي تساعد وكالة الأمن القومي الأمريكي. كما أن الاتحاد الأوروبي يعيد النظر في التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه أسرعت البرازيل وروسيا والهند والصين (دول البريك) لاستكمال بناء خط جديد للإنترنت.


واضحٌ أنّ الأزمة التي تمر بها أمريكا لا تهدد الثقة المبنية بينها وبين الحلفاء والدول الأخرى فحسب، بل إنّ الحرية والديمقراطية التي تفتخر بها أمريكا تواجه تهديداً أخطر بكثير، بسبب سلوكها غير المتوافق مع القيم التي تعتنقها. وبالفعل، فإنّ بعض الشخصيات الأمريكية البارزة رفعت صوتها بهذا الخصوص، فجيمي كارتر مثلاً، عندما سُئل عن تعرض إدوارد سنودن لنظام المراقبة العالمية السري لواشنطن، قال: "أمريكا ليست لديها ديمقراطية فاعلة في هذا الوقت".


لقد وضع الإسلام قواعد واضحة تحرم على الدولة الإسلامية التجسسَ على رعاياها، قال الله سبحانه وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)).


وفيما يتعلق بهذه الآية، فقد ورد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: "أَنَّهُ حَرَسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَيْلَةً بِالْمَدِينَةِ، فَبَيْنَا هُمْ يَمْشُونَ شَبَّ لَهُمْ سِرَاجٌ فِى بَيْتٍ، فَانْطَلَقُوا يَؤُمُّونَهُ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهُ إِذَا بَابٌ مُجَافٍ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ فِيهِ أَصْوَاتٌ مُرْتَفِعَةٌ وَلَغَطٌ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِىَ اللَّهِ عَنْهُ، وَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: أَتَدْرِى بَيْتُ مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: هَذَا بَيْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَهُمُ الآنَ شُرَّبٌ فَما تَرَى. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَرَى قَدْ أَتَيْنَا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ (وَلاَ تَجَسَّسُوا) فَقَدْ تَجَسَّسْنَا، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَتَرَكَهُمْ".


بعودة الخلافة الإسلامية فإنّ علامة فارقة جديدة ستوجد في الحكم وفي كيفية عيش الناس بأمن وسلام، ولن يكون عند الناس ريب من التعرض للتجسس من قبل السلطات، أو من التعرض للمراقبة واسعة النطاق من قبل الغرب كما هو الحال الآن.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عابد مصطفى

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار