خبر وتعليق   أمريكا تقوم بالاستغلال أولا ثم التصفية
December 06, 2013

خبر وتعليق أمريكا تقوم بالاستغلال أولا ثم التصفية


الخبر:


هل تم اتخاذ قرار القضاء على غولان (جماعته) في مجلس الأمن القومي في عام 2004؟


في الاجتماع الذي عقده مجلس الأمن القومي، في شهر آب/أغسطس 2004، تم إعلام الحكومة بقرار "إعداد خطة عمل ضد الجماعة" يوصى به، بعنوان" التدابير التي يتعين اتخاذها ضد أنشطة جماعة فتح الله غولان".


يقال في قرار مجلس الأمن القومي، أنه لمنع" نشاطات النوريين والنشاطات التابعة لمؤسسات جماعة فتح الله غولان"، "فإنه ينبغي القيام بتنظيمات قانونية تنزل عقوبات صارمة، كما ينبغي إعداد خطة عمل". يوجد تحت قرار مجلس الأمن القومي بتاريخ 25 أغسطس 2004 توقيع الرئيس التركي في الفترة تلك أحمد نجدت سيزر، ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، ورئيس الهيئة العامة لأركان حلمي أوزكوك، ووزير الخارجية عبد الله جول، بالإضافة إلى وجود تواقيع خمسة وزراء مختلفين. كما قام كل من إيتاش يالمان عضو مجلس الأمن القومي، وأوزدان أورنيك، وإبراهيم فيرتينا، وم. شانار أرويجور بالتوقيع على نفس الوثيقة.


http://www.taraf.com.tr/haber/gulen-i-bitirme-karari-2004-te-mgk-da-alindi.htm

التعليق:


في إرساء الديمقراطية في تركيا وفي الطريق إلى الانتقال إلى النفوذ الأمريكي قامت أمريكا باستغلال كلٍّ من جماعة غولان وحزب العدالة والتنمية وقامت بتصفية الموالين للإنجليز. والآن تقوم بالتصفية العميقة للجماعة بيد حزب العدالة والتنمية.


ومن المعروف أن هناك صراعًا قد اشتعل فتيله في الأسابيع الأخيرة في تركيا بين حزب العدالة والتنمية وبين جماعة غولان. وتم تصوير اشتعال الصراع للجمهور بأنه يعود لقرار رئيس الوزراء أردوغان بإغلاق مراكز التدريس التابعة للجماعة. في حين أفاد بعض المعلقين أن ذلك لم يكن السبب الرئيسي وراء هذا الصراع، بل السبب الحقيقي هو رفضها لمشاركتها في السلطة. فما هو السبب الرئيسي وراء الصراع الذي لا زال مستمرا بشكل واضح اليوم بينما لم يعش حزب العدالة والتنمية والجماعة أي صراع حتى الآن ولا بأي شأن، خلاف ذلك فهما تساندان بعضهما البعض؟ وما القصد من توقيع حزب العدالة والتنمية على القرار الذي تم اتخاذه في مجلس الأمن القومي حول القضاء على جماعة غولان ومنع نشاطاتها، ولكن مع عدم السعي لتنفيذه؟ بالإضافة إلى ذلك، فإن الأمر الأكثر أهمية هو: ما قصد حزب العدالة والتنمية من السعي اليوم لتنفيذ خطة القضاء على الجماعة؟


قبل القيام بجميع هذه الاستعراضات فإنه من الجيد أولا العودة إلى تاريخ تركيا السياسي بإيجاز: إن جمهورية تركيا هي دولة تم تأسيسها بدعم الإنجليز بعد هدم دولة الخلافة. وكان النفوذ السياسي الإنجليزي على مدى سنوات عديدة هو القوة المهيمنة في تركيا. ومع تمكن أمريكا من إحضار رجالها إلى الحكم في بعض الفترات أمثال (عدنان مندري، وتورغوت أوزال) إلا أن النظام حافظ على وجوده كنظام تهيمن عليه الذهنية الإنجليزية. إلى أن تمكن رجب طيب أردوغان من إظهار نفسه في السياسة كعمدة بلدية ثم خلال تلك الفترة تأسس حزب العدالة والتنمية وحتى ذلك الوقت لم تكن أمريكا قد بسطت نفوذها على السياسة في تركيا بشكل كامل. ولكن عقب تأسيس حزب العدالة والتنمية واستيلائه على السلطة وحده، بدأت أمريكا بترسيخ نفوذها السياسي في تركيا بطريقة مخططة.


ولما رأت أمريكا إمكانية التخلص سواء بانقلاب عسكري أو بخطط سياسية أخرى من الرجال الذين حملتهم إلى السلطة، فقد سعت هذه المرة ليس إلى الحصول على النفوذ من خلال رجل واحد بل ترسيخ نفوذها عبر تغيير وتحويل النظام وقد حققت مساعيها في ذلك حتى الآن. وبدأت بزيادة رجالها في السلطة بذريعة التحول إلى الديمقراطية والعمل لدخول تركيا الاتحاد الأوروبي، وقد أظهرت بكل وضوح عدم سماحها للتكتلات العميقة.


ففي البداية قام حزب العدالة والتنمية بتدمير بنية العصابات التي تستخدمها القوى العميقة ثم الزج بهم في السجون. لذلك فقد قام بالتخلص من تأثير هذه العصابات وزعمائها حتى لا يتعثر في طريقه بالحصى. ثم قام باتخاذ خطوات جديدة في إطار التكيف مع قوانين الاتحاد الأوروبي، مما ساعد على بدء المحادثات لأول مرة حول إدخال تركيا في الاتحاد الأوروبي. في جميع هذه العمليات كان حزب العدالة والتنمية وأردوغان بحاجة إلى دعم الموظفين المدربين والجمهور العام، فضلا عن الدعم الكبير من وسائل الإعلام. وقد قامت أمريكا بتوفير هذا الدعم كله بجماعة غولان، وضمنت بقاء حزب العدالة والتنمية في السلطة لسنوات عديدة.


خلال هذه العملية قامت بالكشف عن البنى العميقة الإنجليزية القومية في تركيا واحدة تلو الأخرى. وبينما كانت تقوم بذلك فقد تركت كلا من الشرطة والقضاء خلف دعم الجماعة. وكانت وسائل الإعلام وراء حزب العدالة والتنمية بطريقة لا تقبل الجدل بدعاية أمريكية مكثفة. ولكن بالطبع فإن الجماعة خلال هذه الفترة بدأت تصبح فعالة في كل من الحكم والأمن والقضاء. فلم تكن تركيا التي تعد نموذجا للشرق الأوسط تحرم من أي شيء، فبينما تعيش أمريكا وأوروبا في أزمة اقتصادية مرت تركيا من التأثر بتلك الأزمة. وبطبيعة الحال فقد استفادت الجماعة وبالحد الزائد من هذه الرفاهية الاقتصادية التي تم توفيرها لتركيا. مثل سائر القابضات والشركات المصلحية. مما أدى إلى نمو هذه الجماعة وتقدمها اقتصاديا وإنشائها بنيات داخل مؤسسات الدولة.


إن نمو الجماعة بهذا الشكل وإنشاءها الكثيف للبنيات الخاصة داخل مؤسسات الدولة يتعارض مع السياسة الأمريكية لتركيا. فأمريكا كانت تسعى إلى تأسيس نظام للتحكم بتركيا كيفما تشاء ولتحصل على نفوذ في تركيا لسنوات عديدة مهما حصل. فقامت بإعداد هذا النظام بالنموذج التركي وهي الآن تنضجه. ولكن الجماعة تتوجه إلى هيكلة تتعارض مع هذا النظام. فكيفما أن التحزبات العميقة من الموالين للإنجليز القوميين مثل الآرجنيكون كانوا يزعجون أمريكا ولا يقبلون وجود النفوذ الأمريكي، كذلك فإن أمريكا الآن لا تثق بالبنيات العميقة المعقدة للجماعة بالشكل نفسه.


ولهذا السبب، فإن الصراع المتواصل بين أردوغان وجماعة غولان ليس صراعًا على مراكز التدريس. وفي الوقت نفسه، فهو ليس صراعًا على تقاسم السلطة أيضا. لأن الجماعة ليس بإمكانها القيام بأي شيء بشأن الحكم دون حزب العدالة والتنمية وأردوغان. فهذا هو السبب الرئيسي للصراع ولتصفية الجماعة التي قد تحول دون ترسيخ أمريكا لنفوذها السياسي في تركيا بشكل كامل.


فإذا سُئِل عن أي هو الأهم بالنسبة لأمريكا، هل هو الجماعة، أم حزب العدالة والتنمية وأردوغان؟ فإن حزب العدالة والتنمية هو الأكثر أهمية بالنسبة لأمريكا في الوقت الحالي. حتى إنها لا يمكنها التخلي الآن عن حزب العدالة والتنمية. ولكن هذا لا يعني أنها لن تقوم بالتخلي عنهم غدا. فكيفما تتخلى الآن عن الجماعة فقد تتخلى غدا عن حزب العدالة والتنمية.


مع الأسف فإن هذا هو حال جماعات وزعماء المسلمين. فإن أمريكا تستغلهم أولا كيفما تشاء، ثم تقوم بتصفيتهم عندما تنفد صلاحيتهم.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمود كار

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار