February 06, 2014

خبر وتعليق انعدام الأمن في كينيا فشل آخر للحكومة الرأسمالية (مترجم)


الخبر:


نشرت صحيفة ستاندارد في 2014/1/31 أن معظم الكينيين يشعرون بفشل الحكومة في إرساء الأمن كما تبين في استطلاع جديد للرأي. وبينت الدراسة المنشورة أن الكينيين يعتقدون أن الحكومة لا تفعل ما يجب للحفاظ على أمنهم. وأشار الاستطلاع، الذي نشر في وقت مبكر من يوم الجمعة، أن الكينيين غير راضين عن الطريقة التي تنتهجها إدارة تحالف اليوبيل، وقد مضى على تشكيله 10 أشهر، في معالجة ارتفاع تكاليف المعيشة والقضاء على البطالة. وبينت الدراسة أن واحدًا من كل ثلاثة كينيين يعتقد أن أداء إدارة الرئيس أوهورو ونائبه وليام روتو في غاية السوء فيما يتعلق بحماية الناس من البلطجية والإرهابيين وغيرهم من المجرمين، والذين قد عاثوا فسادًا في البلاد في الأسابيع الأخيرة. وبينت الدراسة، التي نشرها المركز الأفريقي للبحوث الاستراتيجية والاتصالات الاستشاري المحدود، أن انعدام الأمن والبطالة والفساد والفقر هي المخاوف الرئيسية للكينيين. وتزامن التحذير من الإرهاب الذي أعلن عنه قبل يومين مع ازدياد حالات السرقة والسلب، وأعمال السطو التي هي أكثر ما يقلق الكينيين.

التعليق:


يمكن أن تتحول كينيا إلى واحدة من أكثر الدول الأفريقية التي لا تنعم بالأمن إذا استمرت أعمال الأجرام، بالمقدار والوتيرة التي شهدتها البلاد اليوم، بلا رادع يردعها. وفي ظل نظام الحكم في البلاد والذي يبرز فيه الفساد والمحاباة وعدم المساواة وضعف دوائر تطبيق القانون، فقد شهدت البلاد ارتفاع معدلات الجريمة إلى ثلاثة أضعاف تقريبًا، وخصوصًا في المدن مثل نيروبي ومومباسا وكيسومو، إذ بلغ معدل سرقة السيارات مستويات قياسية غير مسبوقة. فمعدل سرقة واختطاف المركبات في نيروبي يبلغ حوالي 10 حالات في اليوم، وقدرة السلطات في ردعها أو التحقيق فيها محدودة. وبينت دراسة حديثة أعدها مركز بحوث الجريمة الوطني، أن عدد العصابات الإجرامية في البلاد يبلغ 46 عصابة، حيث يعمل أكثر من 50% من هذه العصابات في تجارة المخدرات، بينما يشارك ما نسبته 34% منها في ابتزاز الأموال وغيرها من الأنشطة الإجرامية.

وفي عام 2013، تم إصابة أكثر من 40 شرطيًا في باراجوا، وتم كذلك إعدام عدد من العلماء المسلمين البارزين في مومباسا، بالإضافة إلى اجتياح الصراع القبلي شمالي البلاد والهجوم على المركز التجاري وست جيت، واللافت أن كل تلك الوقائع لم يتم حسمها وحلها بشكل فعال يظهر أثره على الواقع. فالتجول ليلًا في المدن الكبرى يعد تجربة مرعبة، ولا يعتبر التجول نهارًا آمنًا كذلك. إذ إن هناك التقارير الإخبارية التي تبث بشكل منتظم عن كيفية سرقة الشركات أثناء النهار، وعلى الرغم من وجود كاميرات مراقبة، فلم يعتقل أحد ولم تبذل أية جهود لحل تلك القضايا في المقام الأول. وليس هذا فقط، بل إن تجربة فاشلة جديدة أجريت لإصلاح قوات الشرطة، أخفق فيها المسؤولون في تحقيق الغاية منها، حيث قامت لجنة بمقابلة كبار الضباط، وركزت اللجنة على الموارد المالية لهؤلاء بدلًا من التركيز على قدراتهم الوظيفية في أداء مهامهم. ونتيجة لهذا الفساد والفشل في معالجة المشاكل وأسبابها، فإن هناك خوفًا من أن تؤثر موجة الجريمة هذه على مناخ الاستثمار في البلاد. فالسياحة تعد أكبر صناعة في العالم وهي تشكل ما نسبته 10% من مجموع العمالة في العالم ككل، وهي كذلك تساهم في 14% من الناتج المحلي الإجمالي لكينيا. وقد كان بالفعل انعدام الأمن وتأثيره على السياحة واحدًا من الاهتمامات الرئيسية التي أثارت قلق الحكومة بعد الهجوم على ويست جيت والذي خلف 67 قتيلًا على الأقل، بينهم 18 من الأجانب.


ووفقًا للدستور الكيني وكذلك القوانين المتعلقة بهذا الشأن، فإن مسؤوليات حكومات الأقاليم لا تشمل المسائل المتعلقة بالأمن القومي والشؤون الخارجية والتعليم. ويعتبر الأمر مفاجئًا عندما يهدد مسؤولو الحكومة الأقاليم بالتفكك والانفصال إذا لم يعملوا على إرساء الأمن في أقاليمهم! هذا يدل على أن الحكومات قد فشلت في رعاية شؤون البلاد والعباد وتبحث عن كبش فداء. كما أن حكومة اليوبيل على أبواب إنهاء عام واحد منذ توليها للسلطة، وتتمنى لو تتخلص من هذا الفشل الذريع في أداء مسؤولياتها وتلقي بهذا الوزر الثقيل على أحد غيرها.


لقد أطلت عصابات الفساد برأسها مرة أخرى، والفقر والجوع يفتك بالمناطق القاحلة في الشمال، والبطالة وصلت إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق، وانعدام الأمن يجتاح جميع أنحاء البلاد. فخلال التحضير للانتخابات العامة في كينيا، صرح جوني كارسون، وهو مساعد سابق لوزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية، بقوله الشهير: "إن الخيارات لها تبعات"، وبشكل لا يدع مجالًا للشك، فإن كينيا تعاني من هذه التبعات. فمنذ أن قررت أمريكا الاستعانة بدول أخرى فيما يسمى "الحرب على الإرهاب" وجعلت دولًا مثل كينيا في الخندق الأمامي لهذه الحرب، أصبحت كينيا وجهة لعدم الاستقرار والأمن في المنطقة. إن إصدار الغرب لإنذارات متكررة لحوادث إرهابية هو الذي أدى إلى استنزاف الاقتصاد الكيني بإرغامها على خوض هذه الحرب بالنيابة عن أمريكا، مما أدى إلى استفحال البطالة وانعدام الأمن. في الوقت نفسه فإن العصابات الإجرامية تسلب وتنهب في شمالي البلاد بلا حسيب، وتستغل قوى الأمن لإنشاء مناطق عازلة "دولة جوبا لاند" في الصومال. إنه انتحار سياسي وتفكير سقيم بأن مثل هذه الدولة ستقلل من تهديد حركة الشباب لكينيا.


إن كل ما نشهده اليوم في كينيا هي علامات فشل النظام الذي يهدد أمن العالم كله. فمنذ أن طبقت كينيا النظرة الرأسمالية التي تجعل المنفعة المادية مقياسًا للأعمال بالإضافة للنظام الديمقراطي الذي يعطي الشعوب آمالًا زائفة بالتغيير، كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، فهي تعيش في أزمات مستمرة، ولن تحل هذه الأزمات والمشاكل وإن تغيرت الحكومات وتعددت الوجوه. وبينما يحظى الرئيس بحماية وأمن شديدين، فقد قال إنه قد تخلص من الظروف المزرية القاسية التي يعاني منها الناس، لكننا نسمع جعجعة ولا نرى طحنًا، فالكلام سهل ميسور بخلاف الحلول العملية التي تتطلب فكرًا ونظامًا فعالًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولا يتأتى ذلك إلا من خلال الإسلام الذي هو عقيدة شاملة عن الكون والإنسان والحياة ونظام يعالج كافة المشاكل، عندها فقط يمكن أن نشهد التغيير الحقيقي. فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث أن الوقت سيأتي فيسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، وقد كان، وسيأتي اليوم الذي تتحقق فيها بشارة النبي هذه مرة أخرى بإقامة دولة الخلافة. ويكون فيها الخليفة راعيًا للأمة عاملًا فيها بكتاب الله وسنة رسوله، مسخرًا لكل طاقات الأمة ومواردها لرعاية الأمة وحفظ أمنها، والأمة تحاسبه إن قصر. وعندها فقط ينعم الناس بالأمن والأمان وتحفظ أموالهم وأعراضهم وتقر أعينهم.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
قاسم أغيسا
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير / شرق أفريقيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار