خبر وتعليق   انقلاب مصر أو انتحار المسيح الدجّال
July 25, 2013

خبر وتعليق انقلاب مصر أو انتحار المسيح الدجّال


الخبر:


القاهرة (رويترز) - أكد وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أن مصر تجنبت حرباً أهلية كان يحتمل أن تعصف بها هذا الشهر، مما جعل من الصعب على واشنطن القول إن الإطاحة بالرئيس، محمد مرسي، كان انقلاباً عسكرياً.


وقال كيري للصحافيين، الأربعاء، أثناء زيارة للأردن حيث أجرى محادثات مع مسؤولين عرب، "بخصوص موضوع حدوث انقلاب (في مصر)، فمن الواضح أن هذا موقف صعب للغاية وبالغ التعقيد"، مضيفا أن "واشنطن لن تتسرع في اتخاذ قرار".


وأضاف "كان هناك موقف غير عادي في مصر، مسألة حياة أو موت، مسألة احتمال اندلاع حرب أهلية وعنف هائل، والآن هناك عملية دستورية تتقدم للأمام بسرعة كبيرة".


التعليق:


إنّ الانقلاب العسكري الذّي وقع في مصر هو حدث مشحون بدلالات قاصمة لظهر الغرب والعلمانيّة الماكرة في البلاد العربيّة والإسلاميّة:


1-إنّ الديمقراطيّة عند الغرب وفي النظام الرأسمالي ما هي إلاّ مخادعة كبرى للإبقاء على النفوذ والسّلطة بيد المستكبرين مع إيهام الجميع بالتحرّر والاختيار وتسيير الإرادة..


فالديمقراطيّة أشبه ما تكون بالمسيح الدجّال ظاهره الجنّة وباطنه النّار في ظلّها مورس الاستغلال الفاحش المقنّن والظلم المقنّن والحروب العالميّة والاستعمار الفظيع.. وفي ديمقراطيّتهم دوما متّسع لمعتقل "غوانتنامو" وللإبادة الجماعيّة بدعوى حماية الحريّة..


2-إنّ الديمقراطيّة باعتبارها من مستلزمات فصل الدين عن الحياة كان المقصود من إدخالها إلى بلاد الإسلام فقط إقصاء الدّين عن الحياة أي إقصاء الدين عن التشريع وتسيير شؤون النّاس العامة أما الشقّ الثاني وهو الانتخاب والاختيار تحت مستلزم فصل الدّين عن الحياة فالأمر لعبة كما يسمّونها مقدور عليها وتقتضي بعض الخبرة في التمويه والمكر والمخادعة بما قبل الانتخاب وعنده وبعده..


وعموما يظلّ مقياس قبول الديمقراطيّة عند النّاس هو مقارنتها بالدكتاتوريّة المرعبة لا قياسها من كونها حقّا أم لا أي قياسها بأحكام الإسلام العظيمة..


وبظلّ الاختيار (هذا الوهم المنظّم) إن سمح به في الدائرة الدوليّة المرضي عنها مع ضمان فصل الدين عن الحياة في الصغيرة والكبيرة وتأمين مصالح الكبار القذرة..


3-إنّ العلمانيّة بهذا المعنى لا تكون إلاّ مشروعا حربيّا دمويّا على الإسلام والمسلمين وديموقراطيّة الغرب لا تمكّن المسلمين إلاّ من اختيار الأشخاص والأسلوب الذي به يذبحون حضارتهم ودينهم أي كينونتهم وحين تنفلت الأمور قليلا أو توحي بمقدّمة الانفلات كما هو الشّأن في مصر ينقلبون مكرا وبغيا وحنثا بكلّ صفاقة ووقاحة..


لينفوا بذلك لا الحقّ فقط عن المبدأ الرّأسمالي الليبرالي بل والصّدق أيضا.. إذن ديمقراطيّتهم سجن فيه حديقة يوهم بالفسحة ولكنّ أسواره عالية جدّا وسميكة جدّا وحرسها شديد.


4-بمعنى آخر إنّ هذا القسم التضليلي التمويهي (الانتخابات) حين يقدّمه الغرب ويباشره في العالم الإسلامي بكلّ طاقة التبشير يجده غير قادر على استيعاب واقع الإسلام وممكنه وواقع المسلمين وممكنهم فهو:


- مصادم للإسلام إذ إن طرحهم يظلّ واقفا في مكانه متوتّرا متحفّزا للغدر كلّ حين فالإسلام أعظم وأشمل وأكبر من الديمقراطيّة التي سرعان ما تتورّط في تشابك معرفي في الكليّات والجزئيات من قرآن وسنّة تنقضها نقضا.. وتتورّط من قبل في خصومة منهجيّة صارخة مع منهج الإسلام "إنّما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا"..


- مصادم للمسلمين لا يستوعبهم فهمّتهم وإن كانوا مستغرقين بالواقعيّة العفنة وإن نظر إليهم مجرّد سكّان أو مواطنين وإن عطّلوا عن فهم دينهم الفهم المستنير.. فهمّتهم أعلى من أن يكونوا تابعين أو مدرجا من مدارج الرأسماليّة.. ويكفي النظر إلى مشاعرهم العامّة التي تترجمها بعض المقولات السارية مسرى العرف (الإسلام صالح لكلّ زمان ومكان) (عصمتنا في ديننا) (لو تمسّكنا بديننا لكنّا خير النّاس) (الإسلام رحمة للعالمين) الخ.. هذه المقولات وما يحفّها من مشاعر بمجرّد أن يتطلّع بها النّاس إلى شيء من العزّة بالمنازعة للموجود والسعي إلى التمكّن واستعادة ذاتية الأمّة ولو في دلالاتها العامة حتى ينقلب الغرب على ديمقراطيّته ليذبحها شاهدا على نفسه بالزّور والغدر وأعلى درجات النفاق ومثال الجزائر في أوّل التسعينات مرعب إذ حين اختار الناس الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ انقلبوا عليهم وانقضّوا عليهم وكلّفوا البلاد أكثر من 200 ألف قتيل وهم مستعدون للمزيد..


5 -إنّ الغرب لا يريد من الديمقراطيّة في البلاد الإسلاميّة مطلق الإرادة للنّاس لأنّ ذلك هو إبطال للديمقراطيّة ذاتها وتمايز عن الغرب وإنّما يريد من الديمقراطيّة أن تدجّن وتدجّل طاقة الإسلام القياديّة (الولاء لله ورسوله والطّاعة ثمرة الإيمان) ويريد أن تضمن له الديمقراطيّة نفس ما تضمنه الديكتاتوريّة (مع فارق وهم التحرّر): أي اعتماد المدوّنة القانونيّة الغربيّة والقيادة الفكريّة الغربيّة وعدم تولي الأمّة بل عدم مطالبتها بتولّي أمرها تحرّرا واسترجاعا للثروات والقدرات والوحدة التي تجعل ذمّة المسلمين واحدة.. وتحرير فلسطين.. واتّخاذ قرارات ذاتيّة مصيريّة..


بمعنى آخر يريدون أن تكون ثمرة الديمقراطيّة هي نفسها ثمرة الدكتاتوريّة: فصل الدين بل إزاحته عن الحياة وموالاة تامّة للغرب بمعنى آخر يريدون من الديمقراطيّة أن تكون أعلى تجليّات الدجل الفكري والسياسي والأيديولوجي أي قيادة فكريّة مخاتلة ومخادعة:


اختيار واهم مموّه بين موال وأكثر موالاة وبين علماني ومن هو أقلّ علمانيّة وبين عميل ومن هو أقذر عمالة لتكون الديمقراطيّة الحبل الذي تنتحر به الأمّة وذلك بجعلها استفراغا لطاقة الجهد وتعطيلا لطاقة الوحي مع تحويل وجهة الأمة تحت حماية فكر غربي مسلّح مهدّد بالانقلابات والمعتقلات.. ولكن هذا الانقلاب الواقع في مصر ومن قبله فلسطين ومن قبله الجزائر وغيرها يؤكّد أنّ مسيحهم دجّال وأنّه أكثر من ذلك جبان، بائس شرع في الانتحار..


عسى أن يردّ هذا الشاهد الواقعي بعض المسلمين المغرّر بهم إلى رشدهم إلى دينهم حيث الجنّة حقا هي الجنّة وجهنّم حقا هي جهنّم..

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
رضا بالحاج / رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير تونس

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار