خبر وتعليق   اتبع النموذج الدنماركي الإسكندنافي
March 03, 2013

خبر وتعليق اتبع النموذج الدنماركي الإسكندنافي

استمع إلى أي نقاش جدي على التلفاز أو الراديو في المملكة المتحدة، وستسمع بأن البنية التحتية في المملكة المتحدة في حالة تحلل، مطار هيثرو مكتظ، والبنية التحتية للسكك الحديدية تحتاج إلى ترقية، تكاليف خدمة رعاية الأطفال مرتفعة، مستويات السمنة ترتفع، والتحصيل العلمي للأطفال يتخلف وراء الكثير من دول العالم المتقدم، وقضايا أخرى عديدة.


حتماً، فإن السياسيين والمفكرين هنا ينظرون إلى الخارج لإيجاد الحلول وأحد الأشياء التي تذكر دائماً أن الناس بحاجة لمحاكاة النموذج الإسكندنافي، في إشارة إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الدول الإسكندنافية، النرويج، السويد والدنمارك.


لذلك وعند زيارتي الأخيرة إلى الدنمارك، كنت عازماً على نيل فهم أفضل لهذا النموذج الذي يعجب به الكثيرون في المملكة المتحدة وحول العالم.


هناك الكثير مما يثير الإعجاب في البنية التحتية الدنماركية وجوانب من نمط حياتهم. بداية من المطار حيث تشاهد عملية واسعة وفعالة جداً -مقارنة بهيثرو- وحال الشوارع الرئيسية في كوبنهاجن فهي عبارة عن طرق سريعة متعددة وواسعة. المسارات المكثفة للدراجات الهوائية تسمح للناس بركوب الدراجات إلى أي مكان، وهي موضع حسد من العالم، الحافلات والقطارات تتسم بالكفاءة، الشوارع نظيفة وهناك العديد من الأشياء التي تتحدث عن مجتمع بمستوى عالٍ من المعيشة من حيث الأمور المادية والتكنولوجيا.


أمازح مضيفي بأن الدنمارك هي قرية من خمسة ملايين شخص مقارنة بلندن أو العديد من المدن التي يبلغ عدد سكانها أكثر من الدنمارك كلها. ومع ذلك، بالنسبة لخمسة ملايين من السكان فلديها بعض الشركات العالمية الشهيرة مثل "ليغو" وشركة "ميرسك" (أكبر مشغل للسفن الكبيرة - الحاويات وللتوريد في العالم منذ 1996).


نمط الحياة الصحي الذي أرى في كوبنهاجن (حيث يذهب الناس للركض في درجات الحرارة تحت الصفر) تثير الكثير من الإعجاب.


من المناقشات، علمي بأن الناس يتعلمون لفترة أطول عموماً وحتى الحرفيون مثل السباكين يحتاجون إلى عدة سنوات من التدريب.


إن ارتفاع مستوى المعيشة هو نتيجة لارتفاع الضرائب - حتى بالمعايير الأوروبية. فمعدل ضريبة الدخل 40% ليس من غير المألوف، وأصحاب الدخل المرتفع يمكن أن يدفعوا ما يصل إلى 50%، إضافة إلى ذلك ضريبة القيمة المضافة بنسبة 25%.


إذن، هل كل شيء على ما يرام في هذه "القرية" الإسكندنافية المتقدمة؟


حسناً، فإن الريف الدنماركي، حيث يعيش معظم السكان، لديه بعض المشاكل التي تراها في المملكة المتحدة بما في ذلك الارتفاع في مستويات السمنة والعديد من القضايا الاجتماعية. وعلى الصعيد الاقتصادي فإن الدين العام هو أكثر من 140 مليار دولار (45% من الناتج المحلي الإجمالي).


مؤخراً فقد سرحت شركة "ليغو" و"دنمارك بوتشرس" عمالاً. وكانت هناك فضيحة تتعلق بكيفية إنقاذ الحكومة لأحد البنوك الرئيسية "مالياً" مع إعطاء القليل في المقابل لدافعي الضرائب الدنماركيين كما هو الحال في الكثير من دول العالم الغربي. إن نظام "الرعاية الاجتماعية" السخي (المالي) من الدولة في تراجع تدريجي بسبب المناخ الاقتصادي الحالي. علماً بأنه يمكن أن يكون مثبطاً للعمل نظراً لكونه غير قابل للاستمرار في شكله الحالي.


عند التحدث إلى أصدقاء دنماركيين وقراءة مقالات كشفت عن قضايا اجتماعية تحت السطح الدنماركيز فقد قال مقال إخباري، أن حوالي 600000 من الدنماركيين يتعاطون مضادات للاكتئابLykkepiller بالنسبة إلى خمسة ملايين من السكان فإن هذا عدد هائل.


أخبرني صديق لي دنماركي عن مبنى في كوبنهاجن حيث قفز 11 شخصاً إلى حتفهم انتحاراً في عام 2012. وأن اثنين من أصدقائه قاما بالانتحار.


يفتخر الدنماركيون جداً بثقافتهم "الليبرالية" القوية. كونها البلد الذي صدق على المواد الإباحية، والكحول لسن 16 عام وأشياء أخرى كثيرة.


ولكن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تشير بأن الدنمارك في المرتبة الثانية في الرسم البياني لحالات السَكر (من شرب الخمر) عند الشباب، (حيث احتلت بريطانيا المرتبة الأولى).


إن السلوكيات الجنسية الليبرالية أيضاً تؤدي إلى مشاكلهم العاطفية والنفسية والتفكك الأسري.


إذن الدنمارك، النموذج الإسكندنافي يعرض المفارقة الكلاسيكية للمجتمعات الليبرالية الرأسمالية الغربية. في حين أنه بإمكانهم أن يحققوا مستوى يحسدون عليه من التقدم المادي، يوجد فراغ روحي وهناك تزايد في الانهيار الاجتماعي لتفكك الأسر ونمو النزعة الفردية ونمط الحياة الليبرالي يسبب ضرراً أكثر وأكثر في المجتمع.


إذا كان الشيء الوحيد الذي يحتاجه البشر هو المطارات الحديثة والتقدم التكنولوجي والمادي، فإذن كل شيء على ما يرام بالنموذج الإسكندنافي. ولكن بالإضافة إلى التقدم المادي نحن بحاجة إلى الهدى لما هو صواب وخطأ، قيم تبني أسرا قوية وفهما واضحا ولتحقيق هدف قيم لحياتنا.


يمكن للعالم الإسلامي أن يكون نموذجاً يتطلع له الآخرون حيث يتم استيفاء جميع جوانب الحياة في حين تجنب الأذى والتجاوزات التي تواجه المجتمعات الليبرالية.


إن إعادة إقامة دولة الخلافة الإسلامية التي تطبق الحلول وهدى الله سبحانه وتعالى ستكون تلك المنارة التي يحتاجها العالم.


تاجي مصطفى

الممثل الإعلامي لحزب التحرير في بريطانيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار