August 17, 2012

خبر وتعليق اولمبيات لندن وجه قبح للحضارة الغربية

استضافت لندن في الفترة من 27 تموز/يوليو إلى 12 آب/أغسطس دورة (الألعاب الأولمبية الصيفية لندن 2012م) بمشاركة نحو ثلاثة آلاف رياضي ورياضية ينتمون إلى بلاد المسلمين، وللمرة الأولى في تاريخ الدورات الأولمبية تشارك المرأة في كل الألعاب بعد الموافقة على لعبة الملاكمة النسائية، وكذلك لأول مرة تشارك السعودية بوفد يضم لاعبتين، وهي سابقة في تاريخ الأولمبياد تم الوصول إليها بعد مفاوضات مع السعودية، وتشارك كل الدول المسلمة في القارة الأفريقية بوفود نسائية في رياضات مثل السباحة.


إن الله سبحانه وتعالى قد عزز مكانة المرأة وأعلى من شأنها، وحدد لها المكانة التي تليق بها في المجتمع، فهي الأم وربة البيت، والعرض المصان الذي جعلها الله، قرة عين أبيها وهي صغيرة يربيها ويحميها من أي مصاب حتى تدخل بيت زوجها، والذي يتولي رعايتها، وتنفيذ وصية النبي الكريم فيها: ( استوصوا بالنساء خيرا )، وعندما تكبر فهي المحترمة التي لا تُردّ لها نصيحة. فالنساء شقائق الرجال، فلها ما للرجل، وعليها ما عليه إلا ما خصه الله به أو خصها به. هذه مكانة لم تُعطَها امرأة قطّ إلا وأحست بعظم تشريع رب العالمين الذي يعلم ما خلق. هذه المكانة تضمن المشاركة في المجتمع الإسلامي لكل من الرجل والمرأة بصورة فعالة يؤدي كل واجبه تجاه الآخر، ويستوفي حقوقه كاملة، وهذا الأمر لا هوادة فيه فهو واجب.


إن مشاركة المرأة في الأولمبياد هو انقياد للحضارة الغربية التي تجعل من المرأة جسداً وسلعة رخيصة ينظر إليها كل متطفل؛ فالتعري وخلع زينة الحياء لا تليق بالبشر الذي خلقه الله وأدخله الجنة، وعندما ارتكب الخطيئة أنزله الله سبحانه منها وهو شبه عارٍ إلى الأرض، وعندما جاء الإسلام فرض زياً شرعياً للمرأة: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }، وليس زياً تحدده اللجنة الأولمبية تتهافت عليه الحكومات اتباعاً لسنن الغرب الكافر شبراً بشبر وذراعاً بذراع، ( لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لاتَّبَعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ ) لكن هذا الزي لن يرضي المسلمة التي هدفها هو إرضاء رب العالمين.


إن الأولمبياد هذه هي مثال للّهو المنظم؛ الذي لا يحل مشاكل المرأة في هذه البلاد؛ المتمثلة في الفقر والعوز والحروب والأزمات، وكان الأولى بدل صرف الأموال في هذا العبث، توجيهها لحل مشاكل المرأة الحقيقية.


إذا كانت أسرع عدّاءة في العالم من المغرب، وأفضل سبّاحة من مصر، وأمهر رامية من ليبيا فهل تعتبر هذه مكاسب للمرأة المسلمة؟ أم إن كلاً منهم يفرح ببلده ويرفع رايته، بل ويركع لها فرحاً، فيتركز ما أراده الغرب من تمزيق وتجزئة على أساس الوطنية لبلاد الأصل أنها دولة واحدة.


يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «رفقاً بالقوارير»، أما الأولمبياد فلا قوارير فيها، إنها مساواة تامة بين الرجال والنساء كما قررت اللجنة الأولمبية، فأي حُكم تختار المسلمة، اللجنة الأولمبية أم حكم الله!؟ إن الإنجاز الحقيقي والتحدي الصعب للمسلمة ليس في عضلاتها، ولا في إظهار قوتها لتنافس الرجال، إنما في طاعة الله عز وجل، وفي كبح جماح النفس، ونهيها عن الهوى، وفي الاستقامة على أمر الله كما أراد لها أن تكون في المجتمع، وليس في حصد ميداليات تتجلى فيها كل المعاصي من تعرٍّ واختلاط وإبداء مفاتن وحتى لو ارتدت حجاب اللجنة الأولمبية فهي كاسية عارية تجتمع مع الرجال لغير حاجة شرعية، وكل ذلك محرّم في الإسلام.


إن أية رياضية مسلمة تحقق أكبر عدد من الميداليات في مثل هذه المنافسات على أساس الحضارة الغربية، لن تكون هي القدوة الحسنة للمسلمة الواعية المستنيرة التفكير، التي تعلم قول الرسول الكريم: ( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ) والتي تتخذ من الصحابيات أمثال أم عمارة وأم منيع وخولة وأم سلمة والخنساء وغيرهن ممن سطرن أسماءهن بمداد من نور في صحائف التاريخ، والعفيفات الطاهرات اللائي أنجبن خير البشر الذين تحملوا نشر دين الله في الأرض، ولقوا الله على المحجة البيضاء.


إن البطولات الورقية الزائفة، والزعامات المصطنعة سرعان ما يتجلى زيفها للمسلمة الفطنة ولن تنظر لها إلا بعين الاحتقار، وتتمنى مكانة المرأة المسلمة المجاهدة في سبيل الله كتلك الفتاة السورية التي تدفن فلذة كبدها صباحاً وتحضر أخاها للوغى عصراً، أو كالتي تصبر وتحتسب المشقة بعد اعتقال زوجها من قبل الطغاة بسبب حمله دعوة الحق، فتسد الثغرة التي خلفها غيابه في رعاية بيتها وأبنائها. وأيضاً تبذل مجهوداً مضاعفاً في حمل الدعوة، فنعم العابدة الحامدة الزاهدة المجاهدة في سبيل الله، فكم هي قوية لدرجة لا تتفوق عليها عداءة الأولمبياد، ولا حتى الملاكمة التي ضعفت للدنيا وزخرفها، وبدلت رضى الله برضا الناس.


لن تجنيَ المرأة من مهزلة هذه الأولمبياد إلا المتاجرة في سوق النخاسة وفي الإعلانات التي تحط من قدرهن، أو كسب المزيد من الروح الوطنية التي لا ترقى لربط الإنسان بأخيه الإنسان.


إن المسلمة لا ترفض الرياضة التي تكون على أساس الحضارة الإسلامية، بل ترفض الرياضة على أساس الحضارة الغربية؛ التي تجمع الرجال والنساء لغير حاجة شرعية، رياضة العري والفسق والمجون.


إن إرسال الحكومات وفوداً من النساء هو تخلٍّ عن واجب ألزمها به الشرع؛ وهو حماية الأعراض التي لا تقبل مساومة عند الدولة الإسلامية، فالنبي الكريم أجلى أحد كيانات يهود بأكمله انتصاراً لعرض امرأة. والحجاج بن يوسف أنفق أموالاً طائلة لنصرة امرأة قالت واخليفتاه. والمعتصم فتح عمورية لإغاثة امرأة صرخت وامعتصماه. وها هو أحد أمراء الأندلس لما حوصر قالوا له اهرب واترك النساء، فقال والله أُقتل ولا أجعل كافراً ينظر لمسلمة.


فإذا كانت هذه الحكومات عاجزة عن حماية أعراض المسلمات في سوريا والعراق وفلسطين وبورما وغيرها، فحري بها أن ترسلهن للكفار ليكشف عوراتهن أمام الرجال، اللهم اخلفنا بدل هؤلاء الحكام الرويبضات حاكما عادلاً يصون أعراضنا؛ خليفة للمسلمين يعمل فينا بطاعة الله سبحانه لا بطاعة الغرب الكافر الضال.

غادة عبد الجبار
القسم النسائي - أفريقيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار