خبر وتعليق-  بدأ العدّ التنازلي للقوة العظمى
January 06, 2010

خبر وتعليق-  بدأ العدّ التنازلي للقوة العظمى

(( مع بدايةِ هذا القرن بدأ العدّ التنازليّ للقوةِ العظمى ))

وصل حدّ الغرور في عهد إدارة الرئيس بوش الأب أواخر القرن الماضي أن اعتبر أنّ القرن الواحد و العشرين سيكون قرناً أمريكياً بامتياز ، و استند هذا الوهم إلى عدة عوامل منها زوال الإتحاد السوفياتي و عدم وجود قوة دولية أو مبدأية تنازع الولايات المتحدة ، إلا أنّه و مع بداية هذا القرن و استمراراً لسياسة نهب ثروات الشعوب و للنهج الاستعماري الذي يعتمد على غطرسة القوة و الغرور القاتل من جهة و العداء للإسلام و المسلمين من جهة أخرى ، فقد شنّ بوش الابن مطلع هذا القرن حربين بفاصل زمني قصير ، متوهماً تحقيق نصر سريع و حاسم و ذلك باحتلاله لبلدين مسلمين هما أفغانستان و العراق ، و جاء احتلال أفغانستان البلد الضعيف بكلّ سهولة ، و لم يخطر على بال أركان إدارة بوش الابن أنّ شعب هذا البلد غنيٌّ و قويٌّ بعقيدته الجهادية ، و أنّه يستطيع و استطاع بالفعل أن ينهض كالمارد من تحت الرماد ، و أن يحوّل ضعفه قوة ، و أن يوجّه للجيش الأمريكي و حلف الأطلسي ضرباتٍ موجعة بمختلف الوسائل و الأساليب القتالية ، و أن يوقع به خسائر مادية و بشرية و عسكرية و معنوية ، بحيث جعله عاجزاً و حائراً عن كيفية الخروج من هذا المستنقع الذي أوقع نفسه به ، و لم يعد يحلم بتحقيق نصرٍ أو مجدٍ أو حتى انسحابٍ مشرّف .
و ليس العراق بعيداً عن أفغانستان ، ففي سجن أبو غريب سقطت الأقنعة الزائفة عن وجوه مدّعي الحضارة الغربية و عن القيم التي تدّعيها الولايات المتحدة ، و في حرب الفلوجة سقط الجبروت الأمريكي و الآلة العسكرية المدمّرة أمام فئةٍ قليلةٍ مقاتلةٍ مؤمنةٍ ، و هذا هو حال الاحتلال الأمريكي في بقية مناطق العراق ، و لولا دعم القوى الإقليمية المجاورة للعراق و الموالية لأمريكا لما استطاعت أمريكا البقاء في العراق طيلة هذه المدّة ، و لما استطاعت الحكومة العراقية التي تتمتع بدعم الولايات المتحدة من البقاء و الاستمرار ، و هي - أي أمريكا - و إن استطاعت أن توجد جيشاً و مؤسساتٍ و أحزاباً إلا أنّها خسرت و فقدت الكثير من هيبتها و سمعتها و جنودها و دمّرت هذا البلد المسلم و قتلت أبنائه و نهبت ثروته .
و يبدو أنّ أمريكا خرجت من حربها و تورطها في أفغانستان و العراق بدروس و عبر ، ألَا تتورط مرّة أخرى في أي منطقة من العالم و خاصة العالم الإسلامي ، فتجنبت احتلال الصومال و الدخول في مواجهة مع الحركات الإسلامية المجاهدة فيه ، و حاولت أن تعتمد على أثيوبيا لتقوم مقامها في تصديها للمجاهدين ، إلا أنّ الأخيرة لم تستطع الثبات فانسحبت و بقيت الحكومة الصومالية الموالية لأمريكا تدعمها بعض الجماعات الصومالية وجهاً لوجه أمام الحركات الصومالية المجاهدة.
و لقد عادت هذه السياسات الهوجاء و الاحتلالات العسكرية لأكثر من بلدٍ بالضرر البليغ على الولايات المتحدة ، و أثارت مشاعر العداء لأمريكا في كلّ أنحاء العالم ، و قد أدرك قادة الحزب الديمقراطي و بعض سياسي الحزب الجمهوري ضرورة الخروج من هذا المأزق و إخراج السفينة الأمريكية من هذه الأمواج العاتية قبل أن تغرق ، فجاؤوا بالرئيس اوباما كاول رئيسٍ أسود يحكم الولايات المتحدة و جاؤوا بفكرة التغيير و بعض الشعارات البراقة أملاً في الخلاص من هذه الأزمات و الخروج من مستنقعات الحروب و الاحتلالات العسكرية ، و محاولة تبييض وجه أمريكا بعد أن اسود وجهها ، متوهمين إن هم فعلوا ذلك عادت أمريكا إلى ما كانت عليه قبل إدارة بوش الابن و أنّهم سائرون في طريق الخلاص و النجاة ، إلا أنّ هذا الأمل الذي راود أذهان إدارة اوباما و أذهان البعض سرعان ما اصطدم بالواقع المؤلم ، فما زال وضع أمريكا في العراق و الصومال حرجاً ، و يزداد تورطها في المستنقع الأفغاني و تزداد خسائرها أكثر فأكثر ، و تقف حائرة و عاجزة عن كيفية الخروج من هذا المستنقع الذي أوقعت نفسها به و أوقعها في أزمة أخرى مع البلد المجاور لأفغانستان و نعني بذلك باكستان ، و بدا للمراقب و حتى من السنة الأولى من رئاسة اوباما كأنّ هذا الأخير يعيد انتاج ما صنعته و انتجته إدارة سلفه بوش الابن .
و جاءت الأزمة المالية و الاقتصادية التي حدثت أواخر عهد بوش الابن و مع بداية ولاية اوباما لتعصف بالولايات المتحدة مالياً و اقتصادياً و معنوياً و هي القوة الاقتصادية الغاشمة التي تتربع على عرش العالم الاقتصادي بلطجة ، و كانت هذه الأزمة المالية و الاقتصادية نتاجاً طبيعياً للمبدأ الرأسمالي الذي يقوم على النهم الاستعماري و الجشع و الربا و الاحتكار ، و لا تزال امريكا و دول العالم تعاني من أثر هذه الأزمة حتى الآن .
و لم يقتصر الأمر على هذه الصدمات و الأزمات المتلاحقة بل هنالك صدمة أخرى تلقتها الإدارة الأمريكية الجديدة من حكومة كيان يهود ، تجلّى ذلك في ضعف الولايات المتحدة و إدارة الرئيس اوباما في عدم قدرتها أو رغبتها بفرض سياستها و رؤيتها للحل على هذا الكيان الغاصب ، و هذا العجز أو الضعف هو نتاج سياسات الإدارات الأمريكية السابقة الخاطئة و المدافعة عن هذا الكيان المحتل و امداده بالمال و السلاح ، بحيث لم تستطع أيّ من الإدارات السابقة أو الحالية من فرض رؤيتها للحل و إقامة دولتين في فلسطين إحداهما يهودية و أخرى فلسطينية ، يقابل هذا العجز و الضعف الأمريكي صلفٌ ما بعده صلف من حكومة كيان يهود ضاربةً عرض الحائط كلّ الحلول و متجاهلة بل و مستهترة بكل الجهود و الهيئات و القوى المحلية و الإقليمية و الدولية .
إنّ هذه الأحداث المتسارعة و ما شكلته من أزماتٍ متلاحقة قد حدثت خلال فترةٍ زمنيةٍ وجيزةٍ خلال هذا العقد الأول من القرن الذي نعيش فيه ، و هي من صنع أيديهم و فساد مبدئهم و جشعهم و غرورهم ، و هي نتاجٌ طبيعي لسياسات الاستعباد و إشعال الحروب و الفتن و نهب خيرات الشعوب ، و مهما تراءى للناظر من ازدهارٍ و قوة و نصرٍ في بعض الأحيان و الحالات ، ما هو إلا وهمٌ و حالات مؤقتة سرعان ما تزول مع الزمن ، و لولا ما تتمتع به أمريكا من قوة اقتصادية ذاتية و هيمنة خارجية لكانت هذه الأزمات و عوامل الضعف أكثر فتكاً و تأثيراً في جسم الولايات المتحدة ، و عودة الإسلام إلى الساحة الدولية متمثلاً بدولة الخلافة إن شاء الله و المكلفين بحمله إلى العالم هداية و نوراً و عدلاً كفيلٌ بأن يضع حداً لهذا الظلم و الطغيان الأمريكي و شتّى أنواع الجبروت و الاستكبار .
و صدقَ الله العظيم حيث يقول في كتابه العزيز (( استكباراً في الأرضِ و مكرَ السيّءِ و لا يحيقُ المكرُ السيّءُ إلّا بأهلهِ فهل ينظرون إلّا سُنّتَ الأوّلينَ فلن تَجِدَ لسُنّتِ اللهِ تبديلاً و لَن تَجِدَ لسُنّتِ اللهِ تحويلاً )) سورة فاطر آية 43 .

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار