خبر وتعليق   دعوة من نائب برلماني لزيادة مخصصات النواب
April 14, 2013

خبر وتعليق دعوة من نائب برلماني لزيادة مخصصات النواب


الخبر:


أوردت الصحف الصادرة في مطلع أبريل/ نيسان 2013م قولاً منسوباً لمساعد الأمين العام للشئون المالية والإدارية بالبرلمان، النائب/ تاج الدين عثمان، يدعو فيه قيادة المجلس التشريعي لزيادة مخصصات النواب، تماشياً مع الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد. وهو يريد "أن يكون النائب عينه مليانه وجيبه مليان" حسب قوله.


التعليق:


هذا القول ورد من شخص يفترض أن يكون مطلعاً على الحالة الاقتصادية في عموم البلاد اطلاعاً تاماً، ومع ذلك يريد أن يملأ عين النواب (العين التي لا يملأها إلا التراب). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ) أخرجه البخاري. والسؤال هو: من أين يريد أن يملأ هذا النائب الموقر جيبه وجيوب زملائه؟ طبعاً من أموال الفقراء والمساكين الذين أنهكتهم الضرائب التي تجبى صباح مساء، ومن كل شيء عدا الهواء. وأريد أن أذكر الأخ النائب وزملاءه بعناوين كشفت مواقفهم إزاء قضايا الناس منها:


• البرلمان يجيز زيادة أسعار المحروقات، والوطني يحذر من المظاهرات.
• البرلمان يصادق على زيادة أسعار السكر والمحروقات.
• البرلمان يجيز زيادة الأسعار وسط تصفيق نواب المؤتمر الوطني.


وما إلى ذلك من عناوين تبرز مواقف (نواب الشعب في برلمان السودان)....


إذاً، من الذي صادَق على الحالة الاقتصادية المزرية هذه، والتي يطالب بموجبها السادة البرلمانيون بزيادة مخصصاتهم بدرجة تملأ أعينهم وجيوبهم؟! أم إن الأمر مجرد مطالبة باستحقاقات تلك التصفيقات فرحاً بتمرير زيادة الأسعار!


وفي إطار تداول البرلمان لخطاب رئيس الجمهورية أمام الهيئة التشريعية، حذر أعضاء البرلمان من انهيار القيم الأخلاقية والمشروع الإسلامي في ظل اتساع دائرة الفقر التي ابتلعت الطبقة الوسطى، واعتبر أن إيرادات ديوان الزكاة مهما بلغت فلن تغطي هذه الفجوة، فيا سبحان الله! من الذي صادق على سياسة الدولة هذه التي ابتلعت الطبقة الوسطى من الشعب (وأحسب أن أعضاء البرلمان من هذه الطبقة)، ومنها جاءوا بالمطالبة بزيادة المخصصات لملء الجيوب والعيون للخروج من هذا الابتلاع. ثم أليس البرلمان هو الرقيب على كل سياسات الدولة! وهو الذي صادق على هذه الإجراءات الاقتصادية التي أوصلتنا إلى هذه الحالة!


قد يرى الكثيرون أن موقف البرلمان السوداني في تأييده لسياسة الدولة بدعة من البدع في عالم السياسة، وموقف شاذ لا يمكن أن يوقفه ممثلو الشعب، والصحيح هو أن الأسلوب الذي اتبعه بعض أعضاء البرلمان في كونهم يصفقون لقرارات تزيد من معاناة الناس الذين يفترض أنهم يمثلونهم فلا يمثلون الحكومة، ويتحدثون بلسانهم لا بلسان الحكومة ويدافعون عن حقوقهم لا عن سياسات خاطئة للحكومة، هذه فعلاً بدعة سياسية لم أر ولم أسمع بها من قبل أن برلماناً فعل مثل ما يفعله برلمانيو السودان.


أما البدعة الثانية، فبدلاً من أن يطالب أعضاء البرلمان بزيادة الأجور لكل العاملين بالدولة وهم من ضمنهم نجد الصوت يعلو في البرلمان منادياً بزيادة مخصصاتهم فقط، أما أن يقف أعضاء البرلمان إلى جانب سياسة الدولة أو ضدها فهذا أمر طبيعي يحصل في كل برلمانات العالم، وذلك أن عضو البرلمان يمثل حزبه في المقام الأول وهو يلتزم بالخط الذي يرسمه حزبه، فإذا كان الحزب هو الحاكم فلا مناص للبرلماني إلا أن يؤيد سياسة حكومته ويدافع عنها بغض النظر عما ينعكس على الناس جراء هذه السياسة، وإن كان معارضاً فعليه معارضة جميع قرارات الحكومة ولو كانت في مصلحة المواطن. هذا يحدث حتى في الدول الكبرى، فالحزب الجمهوري في أمريكا يقف معترضاً على زيادة الضرائب على الشركات وأصحاب رؤوس الأموال للخروج من الأزمة المالية، وهي السياسة التي تبنتها الحكومة الأمريكية بدلاً من تقليل الدعم للرعاية الاجتماعية الذي يستفيد منه الأكثرية هناك. كما شاهدنا مواقف الأحزاب في الدول الأوروبية (إسبانيا- البرتغال- إيطاليا- اليونان) التي وقفت مع الإجراءات التقشفية التي دفعت بالناس للشوارع احتجاجاً على فقدهم وظائفهم، والزيادة في معاناتهم جراء سياسة حكوماتهم الرعناء.


نعم إن مواقف أعضاء البرلمانات إنما يحددها في المقام الأول مواقف أحزابهم، ثم مصلحة المواطنين في الدرجة الثانية، وذلك لخلل جوهري موجود في بنية النظام الديمقراطي نفسه؛ الذي يجعل الغاية القصوى للحزب الحاكم هي المحافظة على السلطة، بينما غاية الغايات لدى المعارضة هي إسقاط الحكومة والحلول مكانها، وداخل هذه الحلبة تدور الصراعات، وهذه واحدة من المفارقات الجوهرية بين النظام الديمقراطي ونظام الحكم في الإسلام، فالأحزاب في نظام الإسلام دورها محاسبة الحاكم على أساس الإسلام وهو عينه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الآية: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).


كما أنه لا توجد في الإسلام أحزاب معارضة وأحزاب حاكمة، فالحاكم بعد اختياره من قبل الناس ومبايعته على أساس الإسلام، فحينئذ لا يكون الرئيس جزءا من أي حزب ولو كان مدعوماً من قبل أحد الأحزاب قبل اختياره، أو متبنياً أفكار ذلك الحزب، فتكون علاقة هذا الحزب أو ذلك بالحاكم مثله مثل كل الأحزاب الأخرى وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحاكم ومراقبته في إحسان تطبيق أحكام الإسلام.


أما فكرة أن يكون هناك ممثلون للأمة يقومون مقامها في أمر الشورى والمحاسبة فقد بدأ هذا الأمر في الإسلام مبكراً حيث بيعة العقبة الثانية فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار، (أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا يَكُونُونَ عَلَى قَوْمِهِمْ). وقد درج عليه الصلاة والسلام على استشارة أصحابه، فخص بعضهم بالاستشارة الدائمية وبعضهم وقت الحاجة وبعض ذوي الاختصاص.


فلا يوجد صراع بين الأحزاب السياسية في الدولة الإسلامية على الحكومة القائمة، إنما تتعامل الأحزاب مع الحكومة باعتبارها حكومتها، وتوجب على الأحزاب محاسبة هذه الحكومة من أجل ضمان تطبيق أحكام الإسلام.

المهندس حسب الله النور (أبو معاذ) / ولاية السودان

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار