March 13, 2014

خبر وتعليق دعونا نجعل الدعوة للمساواة بين الجنسين نسياً منسيّا (مترجم)


الخبر:


كتبت صحيفة الإندبندنت البريطانية الصادرة يوم 8 آذار/مارس 2014 في عنوانها الرئيسي "اليوم العالمي للمرأة 2014: إحصاءات مروعة تثبت أن هذه القضية ما زالت في غاية الأهمية." وقد قدم المقال أرقامًا متزنة عن حياة النساء بعد 103 عاماً من أول احتفال باليوم العالمي للمرأة في 1911. حيث قال: أن واحدة من كل ثلاث نساء في العالم ستتعرض للضرب أو الاغتصاب خلال حياتها؛ وأن 70% من 1.2 مليار إنسان يعيشون في حالة من الفقر هم نساء وأطفال؛ وأن 700 مليون امرأة لا يجدن ما يكفيهن من الغذاء أو الماء أو وسائل الصرف الصحي أو الرعاية الصحية أو التعليم؛ وأن 85% مليون فتاة في العالم غير قادرات على الالتحاق بالمدارس. كما تشير التقديرات إلى تهريب 1.2 مليون طفل ليقعوا فريسة للعبودية كل عام، تشكل البنات 80% منهم.


التعليق:


اليوم العالمي للمرأة مناسبة تنظم فيها آلاف الفعاليات في أرجاء العالم المختلفة للفت الانتباه إلى المشاكل المتواصلة التي تواجهها النساء - وهي المشاكل التي بقيت دون حل أو تفاقمت بالرغم من مرور قرون من صراع دعاة مساواة المرأة بالرجل من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين. وهي مناسبة كذلك يلقي خلالها الساسة الخطابات الرنانة ويقطعون فيها الوعود البراقة بشأن خططهم لضمان حقوق النساء، فلا يفون بشيء منها وإنما يكررونها مرة أخرى في السنة التالية. واليوم العالمي للمرأة مناسبة يتم الإعلان فيها كذلك عن تنظيم حملات جديدة تناهض العنف ضد النساء أو تجريدهن من حقوقهن - فتلحق هذه الحملات بالآلاف من مثيلاتها التي تم تنظيمها في سنوات سابقة وأخفقت حتى في تعديل ميزان هذه الإساءات ولو شيئًا قليلا. باختصار، إنها تذكير سنوي بالمعضلة المستفحلة التي تواجهها الدعوة لمساواة المرأة بالرجل وأن أجيالاً من حملة هذه الدعوة وحركاتها قد أثبتت عدم قدرتها على حل مشاكل النساء. ولذلك ينبغي أن تعطينا هذه الذكرى المبرر الكافي للتأمل والتوصل إلى أن الدعوة لمساواة النساء بالرجال وما يدور حولها من نظريات وأفكار تشكلت على أساس التساوي بين الجنسين قد حان أجلها.


إن الأمر يبعث على الدهشة بصورة مؤلمة. فأولاً، إن حركة المطالبة بمساواة المرأة بالرجل قد حددت المشاكل التي تواجهها النساء، أسبابها وحلولها على حدٍ سواء، وذلك من منظور المساواة بين الجنسين، لافتةً الانتباه عن الدور الرئيس الذي لعبه النظام الرأسمالي العلماني الليبرالي (الذي أمسك وما زال بزمام الهيمنة السياسية في العالم طوال العقود التسعة الماضية) في خلق تلك المشاكل. إذ إن هذا النظام ذاته هو الذي سبب أشكالاً فاضحة من عدم المساواة في الثروة، وشلّ الاقتصادات، وأتاح للدول الاستعمارية الغربية دعم الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة التي تخدم مصالحها الاقتصادية - ما أدى بمجموعه إلى حرمان وإفقار ملايين النساء وتقويض التعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة الأخرى في بلدانها. يضاف إلى ذلك أن وجهة نظره المادية في الحياة قد أفسحت المجال لتشغيل النساء كرقيق واستغلال أجسادهن لتحقيق الأرباح، ما جعل وضعهن في المجتمع يهوي إلى الحضيض وصنع بيئة مواتية تماماً لتهريب الأطفال والبشر بشكل عام لغايات الاستعباد، كما ساهمت القيم الليبرالية التي تمجّد السعي لإشباع الشهوات الفردية إلى حد كبير في العنف المستشري الذي يمارس ضد النساء في أيامنا. وثانياً، نتيجة لمحاولة التغيير من داخل هذا النظام الفاسد أصلاً، بدلاً من تغييره بصورة جذرية شاملة، لم تحقق جهود دعاة مساواة المرأة بالرجل شيئًا يذكر في مجال تحسين حياة النساء على الصعيد العالمي. بل إن هذه الدعوة لا تطرح استراتيجيات واضحة أو حلولاً جادة لمشاكل النساء. حيث تنحصر أعمالها بصورة رئيسية في حملات التوعية، والدعوات لإجراء تغييرات في هذه الإستراتيجية أو ذلك القانون، أو المطالبة بالمزيد من المساواة بين الجنسين، ما يمكن وصفه دون مبالغة بأنه أقرب ما يكون إلى "جَلد فرسٍ ميّت".

إن النساء في الغرب غارقات حتى رقابهن في المراسيم والقوانين التي تنص على المساواة بين الجنسين. فقد كرّست المملكة المتحدة جملة قوانين، منها قانون عدم التمييز لعام 1975، وقوانين المساواة للعامين 2006 و 2010، كما توجد لديها هيئة للمساواة وحقوق الإنسان ووزارة للمساواة. وعلى الرغم من ذلك، ما زال التمييز والعنف ضد النساء واستغلالهن في تصاعد مستمر في المجتمع. وما زال دعاة المساواة بين المرأة والرجل فيها مصابين بالدوار جرّاء مسح الوكالة الأوروبية للحقوق الأساسية الأخير الذي وجد أن 44% من النساء في البلاد قد واجهن عنفاً جسدياً أو جنسياً منذ سن الخامسة عشرة. وثالثاً، إن وجود هذا الكمّ الكبير المفرط من النظريات والفلسفات التي تدور حول مساواة المرأة بالرجل (بتوجهاتها الليبرالية والراديكالية والنضالية والسوداء والاشتراكية والمحافظة، على سبيل المثال لا الحصر)، إلى جانب تغييرات هذه الدعوة لجلدها في الموجات الأولى والثانية والثالثة عبر العقود الماضية، ليشير إلى الحيرة والخلط الأزلي بشأن ما ينبغي أن تكون عليه أدوار المرأة وحقوقها في الحياة وفي المجتمع. أو كما عبر عنه أحد كتاب صحيفة الغارديان حينما قال "ليس ثمة من نموذج معايرة لإيجاد فارق." وأخيراً، لقد كانت أفكار مساواة المرأة بالرجل هي سبب الكثير من وجوه عدم الإنصاف التي عانت منها النساء عبر السنين. فقد حمّلت مقولة تقوية النساء من خلال تشغيلهن أعباءً غير منصفة على كواهل النساء، إذ أجبرتهن على أن يكنّ كاسبات للرزق ومدبّرات منزل لأسرهن في آنٍ معاً، ما أدى إلى إصابتهن بالتوتر وارتفاع نسب الاكتئاب بينهن. وإلى جانب هذا كله، فقد شاركت الكثير من الحركات الداعية لمساواة المرأة بالرجل في جريمة الوقوف إلى جانب الأنظمة الدكتاتورية التي تخدم أهدافها العلمانية كما يثبت تاريخ العديد من الجماعات الداعية لمساواة المرأة بالرجل في تونس مصر، وذلك سواء من خلال سكوتها على المذابح وزجّ الأبرياء في السجون أو من خلال العمل النشط معها للتمكين لها في الحكم. وهذا ما كان عليه حال المجلس القومي للمرأة في مصر، ذلك المجلس العلماني الذي يعدّ داعماً قوياً للنظام العسكري الوحشي المحارب للإسلام في البلاد.


ولقد قال أحد الكتاب في معرض حديثه عن أنواع الكفاح الكثيرة التي تنتظر المرأةَ لخوضها لكي تحقق احترامها وتصل إلى حقوقها "إن تحقيق العدالة للمرأة سيكون عملاً تدرُّجياً لأمد طويل." إلا أنه إذا ما كانت أفكار المساواة بين المرأة والرجل، كالمساواة بين الجنسين، هي الأدوات والوسائل التي تُستخدم لتحقيق هذه الرؤية، فستكون تلك صورة لن يُكتب لها الاكتمال أبداً. إن تطبيق الإسلام في دولة الخلافة، التي تنظر إلى كرامة المرأة وحقوقها نظرة إجلال وتعمل على صونها في جميع الأوقات، والعيش في ظل أنظمة تصلح للإنسان وتُصلحه وتوجد الطمأنينة والأمان تحت حاكم عادل، هو وحده الكفيل باقتلاع أسباب هذا الكم الهائل من المشكلات التي تواجهها النساء الآن في العالم الإسلامي، وإزالة أي ذريعة لنشوء هذه الكثرة الكاثرة من الحركات المنادية بحقوق المرأة، من جذورها. فالدولة الإسلامية هي الدولة التي تميزت بحق بتاريخ مجيد وطويل لا يدانيه تاريخ في صون كرامة المرأة وحقوقها، ما حذا بواحدة من الرحّالة الأوروبيين في القرن 18، هي الليدي كرافين، إلى القول عن الخلافة العثمانية "لقد صنع الأتراك في تعاملهم مع بنات جنسنا مثالاً ونموذجاً يحتذى للأمم قاطبة".



كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الدكتورة نسرين نواز
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار