November 13, 2013

خبر وتعليق دراسةٌ تفيدُ بأنَّ غالبيةَ الشعبِ التركيِّ تُعارضُ العلاقاتِ خارجَ إطارِ الزواجِ، بينما النظامُ الرأسماليُّ الليبراليُّ في تركيا يُشجِّعُها


الخبر:


أفادت دراسة نشرتها جامعتا Koc و Sabanci التركيتان هذا الأسبوع أن 72% ممن شملهم المسح في تركيا يعارضون العلاقات خارج إطار الزواج، بما في ذلك فكرة عيش الشخصين معاً دون زواج، بينما يعتقد 87% من الشعب التركي أن الشخصين يجب أن يتزوجا إذا كانا يرغبان في إنجاب طفل. ويأتي ذلك خلال نفس الأسبوع الذي ذكرت فيه وسائل الإعلام التركية انتقاد رئيس الوزراء إردوغان للمساكنة بين الطلبة الذكور والإناث في الجامعات ودعوته لفصل مساكن الجنسين في حرم الجامعات. حيث قال أن المساكنة المختلَطة بين الجنسين قد سببت الكثير من المشاكل، وأن "هذا يتعارض مع قيمنا المحافظة والديمقراطية".


التعليق:


بالرغم من مخالفة العلاقات خارج إطار الزواج للإسلام ومعارضة الشعب التركي الصريحة لها، وأقواله هو ذاته التي عارض فيها المساكنة المشتركة بين الجنسين، فإن إردوغان وحكومته ما زالا يواصلان دعمهما بكل محبة وإخلاص، ويحكمان بنظامٍ رأسمالي ليبرالي يمجِّد صناعتيْ الترفيه والسياحة اللتين تشجعان بكل نشاط الاختلاط الحر بين الرجال والنساء والعلاقات خارج إطار الزواج. وذلك إلى جانب ترؤّس إطارٍ قانوني يسمح للشخصين بالعيش معاً والانخراط في علاقاتٍ حميمة خارج إطار الزواج. كما اعترف نائب رئيس الوزراء بولينت آرينك مؤخراً بأن في مقدور الأفراد في تركيا أن يقرّروا ترتيبات العيش الخاصة بهم حسب رغباتهم، حيث قال "ليس هناك معارضة أو مانع قانوني للذين هم فوق سن 18 عاماً ويريدون أن يعيشوا معاً في منازل مستأجرة".


لقد صادق هذا النظام الرأسمالي الليبرالي على الإنتاج الواسع للمسلسلات التلفزيونية والأوبرات الصابونية التركية الساقطة التي جرى ترويجها دون كللٍ أو مللٍ للمجتمع وكذلك تصديرها على نطاق واسع إلى العالم العربي وشبه القارة الهندية. إن هذه المسلسلات لا تظهر النساء في ملابس سافرة مثيرة للشهوة الجنسية فحسب، بل وتشتمل كذلك على أفكار ومشاهد مبتذلة وخليعة وفاضحة إلى جانب تمجيد العلاقات خارج إطار الزوجية. وهذا كله يساهم في انحلال المجتمع وتطبيع هذا الأمر، وإبطال الإحساس بالتقزز تجاه السفاح والزنا وحتى إنجاب الأطفال خارج إطار الزواج، والتي يدينها الإسلام كلها وتخرّب النسيج الأخلاقي للمجتمع. ويكتب أحد كُتاب الأعمدة "إن هذا ليس إذاعةً، إنه هندسةٌ اجتماعية في انعدام الأخلاق."إنه انعدام الأخلاق ذاته والفوضى الاجتماعية ذاتها التي أصابت بالبلاء الدول الغربية نتيجةً لحرّياتها الشخصية والجنسية الليبرالية. ولذلك فإن من غير المستغرب أن تصف صحيفة نيويورك تايمز في شهر حزيران من هذا العام الصعودَ exponential في السينما التركية بأنه "انتصارٌ للقيم الغربية".

ولكن هذه القيم التي تشجع الأفراد على الانسياق وراء شهواتهم الجنسية قد أدت إلى انخراط 9 من كل 10 شبان بين سن 13 و 17 عاماً في المملكة المتحدة في علاقة جنسية (حسبما ذكرت منظمة الأطفال NSPCC) وولادة نحو 50% من الأطفال في البلاد خارج نطاق الزواج (وفقاً للمكتب القومي للإحصاءات فيها). وبكل تأكيد ليس هذا هو المستقبل الذي يتطلع إليه المسلمون في تركيا لمجتمعهم، لكنه هو ما يمكن أن يتحقق إذا ما استمرت القيم الليبرالية والنظام الليبرالي يحكمان دولتهم. وعلاوة على ما سبق، فإن أفكار هوليوود المنحرفة بشأن الحب والرومانسية في صناعة الترفيه التركية قد ولّدت توقعاتٍ خاطئة غير واقعية وغير إسلامية لما يجب البحث عنه في الزوج والزوجة والزواج عموماً، ما جعل البعض يبحث عن النظرات الغربية للجمال والصفات في الشخصيات الخيالية للأوبرات الصابونية في زوجها أو زوجته. وقد أدى الفشل في الانسجام والتوافق بالأفراد إلى البحث في أماكن أخرى لإشباع هذه التوقعات الخادعة، ما أدى بهم إلى الزنا والطلاق. وهكذا فإنه لا وجه للاستغراب والحالة هذه إذا ما علمنا أن معدل الطلاق في تركيا زاد خلال السنوات العشر الماضية بنسبة 30%.


ومع ذلك، وبالرغم من كل ما سبق، دأبت الحكومة التركية الرأسمالية على تشجيع صناعة المسلسلات والسينما التركية ودعمها بالمال بغرض الربح والعوائد المادية. فقد ذكرت صحيفة جارديان البريطانية أن المبيعات الدولية للمسلسلات التلفزيونية التركية قبل عقدٍ واحد لم تصل إلى مليون دولار، لكنها بحلول 2010 بلغت 50 مليون دولار. وبالإضافة إلى ذلك، عُزي نمو السياحة إلى البلاد بصورة رئيسية إلى هذه المشاهد. وذلك حسبما قال وزير الثقافة والسياحة التركي إيرتوغرول غوني في احتفال في تركيا في كانون الثاني من هذا العام قدم خلاله جوائز السياحة لمنتجي وممثلي المسلسلات التلفزيونية التركية. حيث قال "تحصل تركيا على دخلٍ يقرب من 25 مليار دولار من السياحة... وأكثر الوسائل فعالية في الترويج هو الثقافة والفنون... وهذه هي نتيجة تكاتفنا." وذكر الوزير كذلك أن الدولة قدمت نحو 110 مليون ليرة دعماً للسينما التركية منذ 2006. وبهذا تكون الحكومة التركية، مثلها مثل جميع الأنظمة الرأسمالية، قد أثبتت رغبتها الصريحة بتجاهل وطرح الأخلاق والمبادئ ورفاه شعبها الاجتماعي جانباً من أجل المكاسب المالية، وأثبتت كذلك أن كل كلامها عن الحفاظ على النسيج الأخلاقي للمجتمع ما هو إلا هراء.


إننا ندعو المسلمين في تركيا لرفض النظام الرأسمالي الليبرالي المنحط الذي يلوث أرضكم حالياً ويتخذ موقفاً مغايراً بشكل صارخ لقيمكم الإسلامية النبيلة. فأقيموا مكانه دولة الخلافة التي تجسّد معتقداتكم ومبادئكم الإسلامية الراسخة في نفوسكم بكل صدق وتضعها موضع التطبيق بكل أمانة. فمن خلال تطبيقها الكامل للشريعة ستحمي مجتمعنا المسلم من هجمة الثقافة الليبرالية الغربية المنحطة، وتطبق النظام الاجتماعي الإسلامي الذي ينظّم العلاقة بين الرجال والنساء، ما يمنع العلاقات خارج إطار الزوجية. وذلك جنباً إلى جنب مع تشجيع القيم والأخلاق الإسلامية الطاهرة داخل الدولة من خلال نظامها التربوي ووسائل الإعلام، وتطبيق العقوبات القاسية على مرتكبي السفاح والزنا. وبدلاً من الركون إلى خُطب السياسيين الرنّانة، هُبّوا وادعوا لإقامة الخلافة التي ستعيد مبادئ دينكم السامية إلى أرضكم.


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الدكتورة نسرين نواز
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار