خبر وتعليق   دستور كل المُصِرِّين على تركيع المصريين
December 19, 2013

خبر وتعليق دستور كل المُصِرِّين على تركيع المصريين


الخبر:


في صحيفة الديلي تلغراف في مقال لمراسلها في القاهرة ريتشارد سبنسر بعنوان "الملصق الترويجي لدستور مصر الجديد يثير جدلاً". وقال سبنسر إن "هناك العديد من الأسباب التي جعلت هذا الإعلان الذي جاء تحت عنوان "دستور يمثل الجميع" مثاراً للجدل.


ورصد سبنسر هذا الملصق الترويجي لدستور مصر الجديد الذي جاء في خلفية مؤتمر صحفي لعمرو موسى رئيس اللجنة المكلفة بتعديل الدستور وأثارت جدلا بسبب وجود خطأ لغوي في اللافتة، إضافة إلى تصويرها لخمسة وجوه معظمها لا تحمل أي ملامح مصرية. (المصدر: بي بي سي العربية : الاثنين، 16 ديسمبر/ كانون الأول، 2013، الديلي تلغراف: مصر تروج لدستورها الجديد بوجوه أجنبية)


التعليق:


قد يبدو الخبر طريفاً من وجه، ولكن الحقيقة أن "شر البلية ما يُضحك"، فالخبر يعبر عن هذه المهزلة المسماة بالدستور الجديد لمصر الكنانة ومهزلة المؤسسات الحاكمة فيها والرويبضات القائمين عليها "المـُصرِّين" على تركيع أهل مصر الكنانة.


هؤلاء الرويبضات يحاولون أن يسحروا أعين الناس بفضائيات إعلامية لا هم لها سوى شحن الناس للتصويت لهذه المهزلة الإنسانية المسماة بـ "الدستور الجديد"، هؤلاء الرويبضات يسترهبون الناس بالبطش والقمع بفزّاعة مهترئة مبتذلة تُسمى "الإخوان" و"التكفيريين" و"الإرهاب"، ويتخذونها ساتراً للحرب على الإسلام وحملة دعوته والتنفير من العمل من أجل الإسلام وحمل دعوته وتحكيمه في دولة، بل والتنفير من الإسلام نفسه!


هؤلاء الرويبضات أعلنوا في مؤتمرهم الحاشد عن مواعيد الاستفتاء على هذا الدستور الباطل الذي صاغوه بأيديهم الملوثة بالدماء، والذي ما شهدت له حتى الدساتير الوضعية مثيلًا، يضعون فوق رؤوسهم ملصقاً دعائياً يفضح استخفافهم بأهل مصر الكنانة وسخريتهم منهم، ويثير حتى عجب الكافر! فيقول مراسل "الديلي تلجراف" ريتشارد سبنسر في مقاله: (إنه بمجرد النظر للصورة يمكن لأي شخص أن يميز ذلك، حيث جاءت الفتاة الوحيدة في الصورة مثلا بلا حجاب، رغم أن أغلبية الفتيات المصريات يرتدينه، بجانب شخصين آخرين أحدهما من ذوي الاحتياجات الخاصة والآخر طبيب يتسمان بملامح غربية واضحة) متسائلاً عن هذا الشعار المثير للجدل على حد قوله "دستور يمثل الجميع"!


وأياً كانت مواد هذا الدستور فهو لا يختلف كثيراً عن الدستور الذي سبقه، دستور 2012، سوى أنه نُزعت منه ورقة التوت المزيفة التي كان يتمسك بها الكثيرون من واضعي دستور 2012، وهي الادعاء بأنه دستور إسلامي، رغم أنه كان كسابقيه من الدساتير الوضعية مخالفًا لكتاب الله وسنة رسوله، وكلاحقه دستور 2013 الذي سيُستفتى عليه، فجميعها دساتير تكرس مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية، أي الدولة العلمانية، التشريع والسيادة فيها للشعب، ويلمزون دولة الإسلام - دولة الخلافة - من طرفٍ خفي بكلمة "الحديثة"! فواضعو دستور 2013، المسمَّون بـ "لجنة الخمسين"، مع فزاعة "الإخوان" و"التكفير" و"الإرهاب" و"عدم الاستقرار"، ومع بطش العسكر والشرطة الداعم لهم، لم يراعوا حتى ورقة التوت المزيَّفة التي حرص عليها واضعو دستور 2012، وهى ادعاء "الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية"، فمحوا هذه العبارة من قاموس النقاش الدستوري إرضاءً لأنفسهم ولأمثالهم ممن يسمَّون زوراً بـ "النخب" الثقافية والسياسية الليبرالية، الكارهين للإسلام كنظام حياة وإلى كل ما يمت إلى هذا المفهوم بصلة، ولا يريدون إزعاج أسماعهم بمثل هذه العبارات، فلم يراعوا مشاعر أهل مصر الكنانة المسلمين، وذهبوا يمحون أيَّ أثر تُشتمّ منه رائحة الإسلام وأحكامه التي كانت تشتم من بعض مواد دستور 2012، وأيَّ أثر يُبقي أو يحفظ البقية الباقية من "الهوية الإسلامية" المزعومة التي كان يدعيها أصحاب دستور 2012، فأزالوا هذه الرتوش التجميلية جميعها بكل صلافة واستفزاز!
ثم كانت الجريمة الكبرى التي من أجلها وضع دستور 2012، وزاد وأمعن فيها دستور 2013، وهى ليست تمكين المؤسسة العسكرية من أن تكون دولةً داخل الدولة فحسب كما كان يشرعن لها دستور 2012، بل تمكين المؤسسة العسكرية من أن تكون دولة فوق الدولة، بوزير دفاعٍ ليس لأحد عليه سلطان، لا شعب ولا رئيس دولة ولا رئيس وزراء!


فمواد كلا الدستورين، مهما كان بها أو لها أو عليها، لا تساوي المداد الذي كُتبت به، والغرض منها، كل الغرض، هو أن تبقى المؤسسة العسكرية بوزير دفاعها هي الحاكم الحقيقي والفعلي لأهل مصر الكنانة، أما الغاية فهي أن تظل مصر الكنانة، مصر المسلمة، المتشوقة لحكم الإسلام، المحبة لله ورسوله، خاضعةً للقيم الرأسمالية الليبرالية الممسوخة، التي يفرضها علينا الغرب الكافر وعلى رأسه أمريكا في الثقافة والإعلام، بأدواته المطبوعة والمرئية والمسموعة، وبالسينما والكتب، بواسطة "نخبٍ" تسمى زورًا وبهتانًا "بالنخب الثقافية"، وفي مناهج التعليم المغلوطة المشوهة التي تطعن في الإسلام وأحكامه وتاريخه، وتبني شخصيات متنازعة الهوية بين رأسمالية علمانية في الأفكار والمفاهيم ووطنية وقومية في كثير من المشاعر وإسلامية في أعماق النفوس! وهكذا تظل مصر الكنانة مرتعاً خصباً ترعى فيه أمريكا مصالحها وتروي نهمها من ثروات مصر، تحتفظ بما تحتفظ به وتقايض منها بما تريد مع من تريد أن تقايضه، لتظل مصر الكنانة حامية لأمن (إسرائيل) وحدودها. وما سوى ذلك فكل ما يُكتب في هذه الدساتير لا قيمة له ولا شرعية له حتى عند أصحابه!


ولكن من وسط هذا المكر، مكر الليل والنهار، من وسط هذا المكر الذي لتزول منه الجبال، من وسط هذا الكيد العظيم، نبشركم بأن أهل مصر الكنانة لن يركعوا لغير الله، ونبشركم ونبشر أنفسنا حقيقةً بقوله تعالى:


﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
علاء الدين الزناتي
رئيس لجنة الاتصالات المركزية في حزب التحرير - ولاية مصر

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار