خبر وتعليق   فشل أمريكا في أفغانستان يعني نهاية هيمنة الغرب في أوراسيا   "مترجم"
July 28, 2012

خبر وتعليق فشل أمريكا في أفغانستان يعني نهاية هيمنة الغرب في أوراسيا "مترجم"

"لقد فشل الغرب بالفعل في أفغانستان، تماما كما فشل السوفيت في عام 1980م، وكما فشل البريطانيون في القرن التاسع عشر" جون همفريز

بعد أن خاضت أمريكا حربا ضروسا لأكثر من عقد من الزمن في أفغانستان، لم تتمكن أمريكا من إحراز مكاسب كبيرة من وراء احتلالها الوحشي، ومع ذلك، فإنّ هناك بعض الخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين مختلفون في تقييم ذلك، ويزعمون أنّ أمريكا قد حققت هدفها الرئيس، والذي كان لإقامة قواعد عسكرية في أفغانستان لمواجهة روسيا والصين ودولة الخلافة في المستقبل، من أجل التفوق في نهاية المطاف في أوراسيا، ولكن حتى هذا التقييم "المتفائل" إذا تم إنزاله على أرض الواقع فإنّه يبدو بعيدا جدا، حيث لا يمكن تصنيفه على إنّه إنجاز مفيد، وعلى العكس من ذلك، فإنّ عدم استقرار الأوضاع في أفغانستان، لا يضع هذه الأهداف الإستراتيجية في خطر فحسب، بل والأهم من ذلك هو أنّه يثير تساؤلات حول طول الوقت الذي يمكن فيه لأمريكا أن تتحمل البقاء وهي عالقة في المستنقع الأفغاني، ومواصلة تحمل الفشل تلو الفشل.

وقد تم تقديم أدلة حول هذا الإخفاق في قمة منظمة حلف شمال الأطلسي التي عُقدت في شيكاغو في مايو أيار الماضي 2012. ففي حديث أوباما عن عدو أمريكا في كل مكان "حركة طالبان" اعترف بصراحة أنهم كانوا خصما صلبا، ويمكن خسارة إنجازات منظمة حلف شمال الأطلسي بكل سهولة، وقال إنّ "حركة طالبان لا تزال عدوا قويا، والمكاسب لا تزال هشة، ولكن فكروا في الأمر، فنحن هناك منذ 10 أعوام، عشر سنوات في هذا البلد المختلف جدا، وهذا هو موضع الضغط، ليس فقط على أهلنا ولكن أيضا على البلد نفسه، وفي لحظة ما سيكون الأمر حساسا للغاية عندما يتعلق بسيادتها"، فكم من الوقت تحتاجه قوة عالمية عظمى مع كل الأسلحة المتطورة لهزيمة جيش مبعثر لا يزيد عن 25,000 أو نحو ذلك؟ فقد جمعت أمريكا تحت قيادتها أكثر من 400,000 جندي، وعشرات الآلاف من المقاتلين من القطاع الخاص على جانبي الحدود بين أفغانستان وباكستان، وبعد سنوات عدة من الحرب فهي لا تزال غير قادرة على هزيمتهم، فتفوق طالبان يثبت قطعا أنهم أكثر من مجرد عدو قوي.

لقد استغرق الولايات المتحدة سنوات عدة لقبول حقيقة أنّ منظمة حلف شمال الأطلسي لا تحارب حركة طالبان فقط ، بل هي تحارب الشعب الأفغاني كله، ففي الإشارة إلى "حساسية سيادتها" اعترافٌ من قبل الرئيس أوباما بأنّ حلف الناتو يواجه مقاومة شعبية، عبر ارتباطات عرقية وولاءات قبلية تقليدية.

وفشلٌ ذريعٌ آخرُ للحرب الأمريكية في أفغانستان هو تكلفتها الباهظة، والتي خلّفت خسائر فادحة في ميزانية الدفاع، وتفاقمت هذه المشكلة بسبب الأزمة الاقتصادية لعام 2008، حيث أنفقت الولايات المتحدة حوالي 550 مليار دولار على الحرب في أفغانستان منذ عام 2001، وقد أنفقت دول أخرى من منظمة حلف شمال الأطلسي مثل بريطانيا 20 مليار دولار، ولغاية الآن فإنّه على الرغم من إهدار المليارات من الدولارات من أموال دافعي الضرائب، فإنّ منظمة حلف شمال الأطلسي لا تملك إلا القليل من الإنجازات، فحكومة كرزاي فاسدة حتى النخاع، ويكرهها الأفغان العاديون، ولا يسيطر كرزاي إلا على أجزاء من كابول، ولا وجود لحكومته في مكان آخر، فهي تعتمد كليا على القوات الأجنبية، ووفقا لبعض التقديرات فإنّ حركة طالبان تسيطر على حوالي 80٪ من أفغانستان، وهذا ربما يفسر لماذا يكون من الصعب جدا بالنسبة لحلف الناتو التمسك بمكاسب إقليمية، وقد فشلت جميع المحاولات الرامية إلى الحد من نشاط حركة طالبان في التوصل إلى حل سياسي معها، جاء في صحيفة فاينانشال تايمز تلخيص لإفلاس دول الغرب في أفغانستان "قبل خمس سنوات كان الأمريكيون يرفضون التحدث إلى طالبان، أما الآن فإنّ حركة طالبان هي التي ترفض التحدث إلى الأمريكيين، وهذا مقياس لمدى توازن القوى وتحوله في أفغانستان، لقد فشل التدخل الغربي هناك". ويضاف إلى ذلك الخسائر البشرية في قوات حلف شمال الأطلسي، والتي لا يمكن مقارنتها بالقيمة النقدية، لذلك لم يكن مفاجئا أن نجد البيان المشترك الذي صدر في ختام قمة شيكاغو الذي أعرب عن الرغبة الجماعية لجميع بلدان منظمة حلف شمال الأطلسي لإسدال الستار على مغامرة الأفغان. فقد جاء في البيان ما يلي: "بعد عشرة أعوام من الحرب ومع ترنح الاقتصاد العالمي، فإنّ دول الغرب لم تعد تريد أن تدفع، سواء في المال أو في الأرواح، فجهودها وإنفاقها في هذا المكان قد تبدد ولم يمر عليها مثل هذا الظرف منذ قرون"، يقول الحق سبحانه وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ).

إنّ عام 2014 (وهو التاريخ الذي تم ذكره مرات عدة) هو موعد الانسحاب النهائي لمعظم دول الناتو، وأمريكا وبريطانيا وشركاؤهما الصغار من الغارقين في الغطرسة ما زالوا لم يتعلموا الدرس، ويخططون للبقاء بعد هذا التاريخ! لا شك أنهم سوف يبذلون قصارى جهدهم لتأخير الانهيار الحتمي لحكومة كرزاي ومحاولة حفظ ماء الوجه مع جماهيرهم المحلية، ولكن المكتوب يُقرأ من عنوانه: أمريكا وحلف شمال الأطلسي يتجهون نحو الهزيمة الساحقة، ومهما بذلوا من جهود لمحاولة تزيين إخفاقاتهم، فإنّ حتمية توحد الأفغان جنبا إلى جنب مع إخوانهم عبر الحدود في باكستان والمطالبة بفروة رأس الأمريكان، وتوجيه ضربة قاضية لبعثة الناتو في أوراسيا، لا محال كائن (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)

عابد مصطفى

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار