July 20, 2014

خبر وتعليق غزة ووهم الوطنية ومحدودية الأمن القومي المصري


الخبر:


تناقلت أجهزة الإعلام والصحف المحلية والدولية المبادرة المصرية لوقف القصف المتبادل بين الفصائل الفلسطينية في غزة وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي وكيان يهود (إسرائيل).


وفي السياق ذاته، أوضحت شبكة "سي.إن.إن" الإخبارية، الثلاثاء، أنه كان من المقرر أن يسافر كيري من فينا، حيث يشارك في المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، إلى مصر ثم قطر فى الأيام المقبلة لتمهيد الطريق لاحتمال وقف إطلاق النار بين الجانبين. وقد دعت مصر، أمس الاثنين، إلى وقف إراقة الدماء بين الجانبين وإنقاذ الأحياء.

التعليق:


لن نتناول المبادرة المصرية أو محتويات بنودها لوقف هذا القصف والتصعيد المتبادل له بين الطرفين، لأنها بادئ ذي بدء لا تستحق التعليق عليها لما يظهر فيها من استمرارية الدور المخزي والمذل للنظام المصري منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام بين مصر وكيان يهود (إسرائيل)، والتي أصبح بها هذا الكيان ليس فقط دولة معترفاً بها في المنطقة وعلى أرض فلسطين المغتصبة، بل وكفلت له الاستمرارية والتفوق العسكري والاقتصادي الدائم على جميع هذه الدول الهزيلة الكرتونية المسماة بالدول العربية، لن نتناولها من هذا المنظور والذي أضحى أوضح من أن تخطئه عين، أو يغالط فيه عقل، ولكن سنتناول هذه المبادرة من مفهوم هذه الوطنية الموهومة التي ما فتئ النظام المصري بدولته القطرية منذ نشأته يصدع بها الرؤوس ويحشو بها الصدور والقلوب خدمةً للغرب الكافر لتكريس تمزيق الأمة الإسلامية. فأحداث اليوم تسقط دعاوى هذا الوهم المسمى بالوطنية، فعن أي وهم يتحدث هؤلاء الوطنيون والمتشدوقون بما لا يعون؟!!. فإن كان النظام المصري الحالي مخلصاًً لوطنيته، أو حتى مخادعاً بها أهل مصر الكنانة، فعن أي وطنية يتحدثون؟!. أعن هذه الوطنية بدولتها القطرية التي أنشأها الغرب الكافر على أنقاض دولة الخلافة يتحدثون؟!. دولة الخلافة، تلك الدولة التي لم تكن تعرف ولاءً ولا انتماءً بين المسلمين إلا للإسلام وللمسلمين، ورغم ذلك عاش فيها جميع الطوائف وأصحاب الديانات في أمن واستقرار وعدل ورفاهية. فمنذ أن صارت مصر دولة وطنية قطرية بهذه الحدود التي خطها الكافر المستعمر، كما خط حدودَ دول المنطقة كلها، صار يزرع في قلوب وعقول المسلمين الفكر الوطني المنحط، الذي لا يجعل الشعوب ترى سوى ما تحت قدميه فلا تنهض، ولا ترى في العيش إلا متطلبات وغايات آنية أنانية مرتبطة ببذل الوسع في البحث عن القوت والأمن ولو على حساب العزة والكرامة والحرية. فمصر رغم أنها كانت ولاية في دولة الخلافة التي امتدت إلى أثيوبيا جنوباً وإلى أنطاكية شمالاً وإلى الحجاز شرقاً، انحصرت وتفتتت حتى في أوج أوقات دعاة الوطنية والقومية من أمثال عبد الناصر، حيث انفصل السودان عن مصر، ومن وقت قريب وقف هذا النظام المصري الدعي يتفرج، وأحياناً يرعى، تقسيم السودان حتى انفصل جنوبه عن شماله، وأصبحت منابع النيل - شريان الحياة في مصر - مهددة من جنوب السودان ومن أثيوبيا، وما زال دعاة الوطنية يتحدثون عن الحدود المصرية والمفهوم الضيق عن الأمن القومي المصري المحصور في هذه الحدود، والمهدد من قبل غزة التي كانت جزءًا من مصر وتحت إدارتها وإشرافها قبل نكسة يونيو 67!، فيبدو أن النظام المصري يفهم الأمن القومي المصري بأنه لا يتحقق إلا بقمع أهل مصر أنفسهم حفاظاً على هذه الدولة الوطنية القطرية صنيعة الغرب الكافر المستعمر المسماة دولة جمهورية مصر العربية.


فإن كان شر البلية ما يُضحك، فإن أشر من البلية أن لا تعرف عدوك من صديقك، والأشر من الجميع أن تتخذ من عدوك صديقاً، فهذا النظام المصري أصابه "الحَوَل السياسي" أو هكذا يريد أن يصدر المشهد لأهل مصر الكنانة، فنرى أبواقه التي ما فتئت تزرع في قلوب الناس الفزع من شبح الإرهاب وتلصقه بالإسلام والعاملين للإسلام، تصور وتزين للناس الوطنية بتأييد كيان يهود (إسرائيل) في سفكها دماء المسلمين وانتهاك حرماتهم في شهر رمضان الكريم الذي يوحد مشاعر المسلمين على الفرحة به، فتحيل هذه الفرحة غصة في حلق أهل غزة، وألماً يعتصر قلوب المسلمين. فمنذ متى صار يهود الصهيونية في فلسطين أصدقاء وحلفاء للمسلمين؟! منذ متى توقفوا يوماً عن تهديد الأمن القومي المصري سواءً في سيناء أو في دول حوض النيل في أفريقيا؟!. منذ متى توقفوا يوماً عن تخريب الاقتصاد المصري في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة؟!. هكذا يسقط وهم الوطنية التي تخدعون وتوهمون الناس بها، أم تُراها وطنيةً أصابها هى أيضاً "الحَول السياسي" فأصبحت ترى في نظام يفرق الناس في مصر بين شعبين مؤيد له ومعارض له، فمؤيده وطني، ومعارضه خائن وعميل؟! أما كيان يهود فحلفاء استراتيجيون!!!.


فالخائن الحقيقي هو من يخون الإسلام والمسلمين الذين هم غالبية أهل مصر والعميل الحقيقي هو من يعمل على تكريس الحدود المرسومة استعمارياً لصالح يهود والغرب الكافر المستعمر الذي أوجد لهم كيان (إسرائيل). أما من يعمل لتحرير الأمة الإسلامية من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار ومن تمزق الوطنية والقومية إلى الوحدة في ظل الإسلام ومن جور الرأسمالية والديمقراطية إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا وذل العيش إلى سعة الدنيا وكرامة العيش فيها وسعادة الآخرة، فهؤلاء المؤمنون حقاً، الذين يكفيهم أن نذكرهم بقول الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فيدركوا أنه مهما كان الخلاف بين المؤمنين فلا يفصم عرى الأخوة بينهم لا وطنية ولا قومية ولا عصبية، ويذكرهم بحرمة تأييد الكفار في حربهم على المسلمين وفيما يفعلونه من سفك لدمائهم وانتهاكٍ لحرماتهم. ويكفيهم أن نذكرهم بقوله سبحانه وتعالى ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ فلا حساب أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة على أساس من الوطنية والقومية والجنسية والعصبية، فالكرامة عند الله سبحانه وتعالى أساسها واحد وهو:


﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾




كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
علاء الدين الزناتي
رئيس لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار