خبر وتعليق   حكومة العدالة والتنمية صورة طبق الأصل للحكومات السابقة
November 11, 2012

خبر وتعليق حكومة العدالة والتنمية صورة طبق الأصل للحكومات السابقة


بتاريخ 15/10/2012 صادقت الحكومة على مشروع القانون المالي لسنة 2013، ومن ثم أودعته في مجلسي النواب والمستشارين بتاريخ 20/10/2012. وبغض النظر عما أعلنه القائمون على هذا المشروع من أهداف له (تقليص عجز الميزانية في سنة 2013 إلى 4.8% من الناتج الداخلي الخام، وتوفير 4 أشهر من الواردات في الموجودات الخارجية...) فإن ما يهمنا هو مدى انعكاس الشعارات التي رفعها حزب العدالة والتنمية (بوصفه قائد الحكومة) طوال حياته السياسية وبالخصوص أثناء حملته الانتخابية على قانون المالية المعروض.


أما حديثنا عن ميزانية 2013 و"إغفالنا" لميزانية العام الماضي 2012، فهو من باب التماس الأعذار لحزب العدالة والتنمية، فقد كان عليه أن يقر ميزانية العام الماضي في وقت قياسي حتى تسير عجلة الاقتصاد وَلْنَقُلْ تجاوزاً أنه لم يُمهَل بما فيه الكفاية ليقوم بالدراسات اللازمة لذلك. أما الآن، فلا عذر له، فقد أوتي ما يكفيه من الوقت للاطلاع على الملفات ودراسة الأوضاع، والمنتظر منه هو أن يُخرج لنا مشروع قانون مالية يتماشى مع فلسفته وفلسفة الذين صوتوا عليه ليوصلوه إلى الحكم.


وهنا نذكر، أن حزب العدالة والتنمية قد وصل إلى الحكم على متن قطار الثورات التي عمَّت البلاد العربية، وفي إطار ما تلا انطلاق مظاهرات 20 فبراير المنادية بالتغيير والرافعة كثيراً من سقفه. لقد وصل الحزب إلى الحكم في أجواء مفعمة بالرغبة في التغيير والتغيير الحقيقي، وفي أجواء يسودها الأمل بأن الأمة قد بدأت تستعيد وعيها وتتهيأ لاسترداد سلطانها وهيبتها، وأن التغيير المنشود منذ عقود قد أصبح أخيراً ممكناً.


لكن حزب العدالة والتنمية لم يكن للأسف في مستوى هذه التطلعات، ولم يضع فرصة لكي يظهر خضوعه للمخزن، الحاكم الحقيقي للبلاد، فرضي بنكيران بتعيين عدوه اللدود، رمز الفساد الذي كان يُشهِّر به في خطبه، رضي بتعيينه مستشاراً للملك، بل وأصبح يُنسِّق معه ويخضع لتعليماته وتعليمات باقي مستشاري الملك، وتلقى الحزب الإهانة تلو الإهانة، ورضي بأن يكون آخر من يعلم، وأن يكون بلا حول ولا قوة في الأمور الحيوية للبلاد، وبلغ الأمر أن يقول رئيس الوزراء: "أنا مجرد رئيس حكومة"، وأن يعلق فشله على مشجب الحرس القديم ومن يسميهم التماسيح والعفاريت و...


وها هو يثبت الأمر نفسه في مشروع قانون المالية هذا! فماذا تغير فيه مقارنة بسابقيه؟ وأين تبرز تجليات الثورة العارمة التي عرفها المغرب والرغبة الجامحة في التغيير التي أتى الحزب على ظهرها إلى الحكم؟


إن نظرة بسيطة ترينا ما يلي :


• تستهلك ميزانية البلاط الملكي الضخمة (أكثر من 2.5 مليار درهم) وحدها حوالي 0.72% من مجموع نفقات الدولة، ولتقريب الصورة من الذهن، إذا اعتبرنا أن سكان المغرب حوالي 40 مليوناً، فإن الملك وحده يكلف الخزينة مقدار ما يستهلكه 288.000 مواطن (تقريباً سكان مدينة متوسطة الحجم مثل آسفي)، ومع ذلك فإن الحكومة لم تغير في هذا الأمر شيئاً بل استمر على ما هو عليه منذ سنين.


• لا تزال حكومة الإسلاميين تدرج ضمن مواردها الرسوم المفروضة على الخمور والكحول وأنواع الجعة بمقدار 1.2 مليار درهم، بزيادة 2.4% عن السنة الماضية!! كما أنها لا تزال تُدرج نتاج اليانصيب بمقدار 100 مليون درهم.


• تعتمد الميزانية بالأساس على الضرائب المفروضة على الأفراد والشركات، وهي ضرائب غير شرعية، أي أنها تدخل في باب المكوس المحرمة وأكل أموال الناس بالباطل والإدلاء بها إلى الحكام. قال تعالى: (( ولَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )) [سورة البقرة: 188]. وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المكوس، فقال: «لا يدخلُ الجنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ» [أحمد، وحسّنه الأرناؤوط]، وعظَّم من ذنب مرتكبه فقال في حق الغامدية التي رُجمت في الزنا، «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ» [متفق عليه]. والغريب أن مشروع القانون لا يتورع عن وصف هذه الضرائب باسمها القبيح "المكوس" و"الإتاوات"!


• لا تزال الميزانية تعتمد على المعاملات الربوية أخذاً وأداءً، فقد أدرجت في مواردها 74.6 مليار درهم قروضاً ربوية، بزيادة 15% عن السنة الماضية، كما أدرجت في مصاريفها النفقات المتعلقة بخدمة الدين العمومي بمبلغ يفوق 39 مليار درهم (حوالي 11% من مجموع نفقات الدولة). ولا يخفى على أحد حرمة التعامل بالربا.


فما الذي تغير يا حكومة العدالة والتنمية!؟ لقد وصل حزبكم إلى سدة الحكم على أكتاف أناس ضحوا بأموالهم وجهودهم بل وبأرواحهم، أتوا بكم لأنهم يشمون فيكم رائحة الإسلام العظيم الذي يتطلعون إليه ويتمنون لو تُطبَّق عليهم أحكامه، ويُظِلُّهم عدله وبركاته، فكيف ترضون لأنفسكم أن تكونوا أداةً لامتصاص نقمة الناس واحتواء الحركات الاحتجاجية وحَرْفِها عن مسارها، وتروساً يتترَّس بها النظام ليستمر في غيِّه القديم الجديد؟


توبوا إلى الله، واعلموا أن العجز عن القيام بالواجب لا يبيح إتيان الحرام، قال عليه الصلاة والسلام: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُخَيَّرُ فِيهِ الرَّجُلُ بَيْنَ العَجْزِ وَالفُجُورِ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَليَخْتَرِ العَجْزَ عَلَى الفُجُورِ» [رواه الحاكم وصححه].


رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير - المغرب

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار