March 24, 2014

خبر وتعليق حل الدولة وحل الدولتين كلاهما مشاريع استعمارية


الخبر:


ذكرت جريدة "الشرق الأوسط" في خبر تحت عنوان "أبناء وأحفاد مؤسسي الحركات الفلسطينية بينهم نجل أبو مازن يفضلون حل الدولة الواحدة" أن طارق عباس، ابن رئيس السلطة الفلسطينية، جزء من مجموعة يزداد عدد أفرادها من الشخصيات الفلسطينية البارزة التي تؤيد إنشاء دولة مستقلة تمتد من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط يحظى مواطنوها من اليهود والعرب بحقوق متساوية. وكحال كثير من الفلسطينيين، يرى طارق ضرورة تخلي والده عن محادثات السلام التي تقودها الولايات المتحدة والمضي قدما باتجاه الدولة الواحدة عبر المنظمات الدولية. ويعتقد أن على الرئيس عباس حل السلطة الفلسطينية وإجبار إسرائيل على تولي كامل المسؤولية عن الضفة الغربية، بوصفها وسيلة ضغط، ويعارض تمديد المفاوضات.

التعليق:


يقول حزب التحرير في كتاب "قضايا سياسية" موضحا ومبينا حقيقة كل من حل الدولة وحل الدولتين وأهدافهما، "كانت بريطـانيا ذات الدهاء السياسي الخبيث ترى وجوب إقامة دولة علمانية ديمقراطية في كامل فلسطين، أي في فلسطين التي احتلت 1948 وفي ما بقي من فلسطين: الضفة التي كانت مضمومةً للأردن، وقطاع غزة الذي كان تحت الإدارة المصرية، لتصبح كلها معاً دولةً فلسطينيةً واحدةً على أساس ديمقراطي على غرار لبنان، فيكون الحكم في فلسطين كلها لليهود، ويشركون معهم بعض الوزراء من المسلمين والنصارى، وتصبح هذه الدولة التي يحكمها اليهود فعلاً عضواً في الجامعة العربية، وتقبلها المنطقة. وكان الإنجليز يرون أن هذا الحل يكفل بقاء اليهود عنصراً فاعلاً في المنطقة، أما لو تَمَيَّزوا في دولة وحدهم فإنهم سيبقون في نظر المسلمين أعداءً، وسيُقضى عليهم مهما طال الزمن كما حدث مع الصليبيين. وقد كان كثير من الساسة اليهود مقتنعين بهذا الأمر ويسعون إليه. وكانت بريطانيا تمهد لهذا الحل بإيجاد صلح بين يهود والحكام العرب في المنطقة - وهم في مجملهم آنذاك عملاء لها -، وبعد الصلح تسوى الأمور على النحو المذكور.


لكن بعد اجتماع ممثلي أمريكا الدبلوماسيين في الشرق الأوسط، في استانبول سنة 1950 برئاسة جورج ماغي الوكيل آنذاك في وزارة الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأوسط، بعد هذا الاجتماع قررت أمريكا أن تلقي بثقلها في المنطقة، وتتولى معالجة القضايا الساخنة منفردةً عن بريطانيا وبديلاً منها. ولقد كان من قرارات هذا الاجتماع: (تشجيع هيئة الأمم المتحدة على تنفيذ مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، وتسوية قضية اللاجئين)، وبدأت أمريكا السير في هذا المشروع بإقناع الساسة اليهود بأنَّ دولةً يهوديةً لهم أقدر على بقائهم في فلسطين من اندماجهم مع غيرهم وذوبانهم فيهم، ومن ثمَّ عودة السلطان للعرب في فلسطين. إلا أن نفوذ بريطانيا السياسي مع الساسة اليهود الأوائل مثل ابن غريون وطموح هؤلاء اليهود على الهيمنة على كل فلسطين لَم يمكن أمريكا من السير بنجاح في مشروعها أول الأمر.


وفي العام 1959م وفي نهاية حكم آيزنهاور تبنت أميركا مشروعها بشيء من التفصيل وبقوة، والتي يمكن تلخيصها في إقامة كيان للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، وتدويل القدس وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بإعادة قسم ضئيل منهم إلى فلسطين المحتلة تحت حكم (إسرائيل) وتعويض الأكثرية الساحقة وتوطينهم خارج فلسطين". انتهى


ويقول حزب التحرير أيضا في كتاب "مفاهيم سياسية"، "ومع سقوط الاتحاد السوفياتي في بداية تسعينات القرن الماضي، ونجاح أميركا في غزو العراق، والسيطرة على الكويت ومنطقة الخليج، تغيرت معادلات القوة في العالم، وبدأت أميركا برسم خريطة جديدة للمنطقة، تحوَّل بموجبها البريطانيون إلى لاعب ثانوي، ولم يعودوا يقوون على مصارعة أميركا، وانحط مستواهم، وخف وزنهم، فاضطروا للعمل بالدسائس والحيل الضعيفة، واضطروا للاعتماد على الاتحاد الأوروبي لتمرير مخططاتهم، والتي كانت أصلاً مخططات باهتة، مثل اتفاقيات أوسلو التي حاولوا من خلالها الالتفاف على أميركا، لكن أميركا استطاعت أن تحولها إلى مسارات أخرى تخدم أهدافها. ثم أُجبرت بريطانيا على أن تعترف بفشل مشروعها المتمثل بالدولة العلمانية وأعلنت انتهاءه، وقبلت بالمشروع الأميركي القاضي بإقامة دولة فلسطينية عربية إلى جانب الدولة اليهودية، وتخلى عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية رسمياً عن فكرة الدولة العلمانية في المؤتمر الوطني الفلسطيني الذي عقد في الجزائر في سنة 1988م، وأعلن رسمياً عن قبوله لفكرة الدولتين في جميع المحافل الدولية، منذ ذلك التاريخ.


وهكذا سقط مشروع الدولة العلمانية عملياً ورسمياً، ولم يتبق إلا المشروع الأميركي، وهو إقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب (إسرائيل)، وأصبح هذا المشروع مطلباً دولياً تبنته الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، بالإضافة إلى أميركا، وشُكلت الرباعية الدولية من هذه الأطراف الأربعة لدعم فكرة إقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب (إسرائيل)، من خلال عرض رؤية بوش المسماة بخارطة الطريق." انتهى


هذه هي إذنْ حقيقة الحلول التي ينادي بها عباس وزمرته من جهة، وعباس الابن ومجموعته من جهة أخرى، فما هي إلا مشاريع استعمارية وضعها الغرب الكافر؛ لإنهاء قضية فلسطين، وبسط نفوذه على المنطقة، وتثبيت كيان يهود المسخ في أرض فلسطين، ومن ثَمَّ يحفظ له أمنه بجعله دولة طبيعية مقبولة بين المسلمين.


فأمريكا تريد القضاء على قضية فلسطين، من خلال إلهاء أهلها بدويلة في غزة وبعض أجزاء من الضفة، دويلة هزيلة ضعيفة، مقطعة الأوصال، منزوعة السلاح ليس لها جيش، معدومة السيادة، هدفها الأول ولعله الوحيد حماية كيان يهود وحفظ أمنه واستقراره، وبريطانيا كانت تسعى للقضاء على قضية فلسطين من خلال تذويب أهلها في كيان واحد مع يهود، يحكمه ويتحكم به يهود، وبذلك تحفظ أمن يهود، واستقرار كيانهم. وكلاهما تقوم بذلك وَفْقَ ما تقتضيه مصلحتها في بسط نفوذها على المنطقة، وبناءً على تصورها لإبقاء كيان يهود خنجرا مسموما في قلب الأمة الإسلامية، يعيق أو يعرقل أي مشروع نهضوي تقوم به الأمة الإسلامية لتنعتق من ربقة الاستعمار ومشاريعه.


كنا نتمنى أن يكون الأبناء والأحفاد الذين أشار إليهم الخبر، قد تيقنوا من خيانة وعمالة آبائهم وأجدادهم، وبدل تشكيل مجموعة تنادي بإحياء مشروع استعماري آخر عفا عليه الزمن، أن ينأوا بأنفسهم عن كل هذه المشاريع الاستعمارية، ويعلنوا انضمامهم جملة لأصحاب المشروع الحقيقي والجذري في حل قضية فلسطين، من وجهة نظر الإسلام، وحسب أحكام الإسلام، فيعملوا مع العاملين المخلصين الجادين إلى إعادة فلسطين كل فلسطين إلى حضن الأمة الإسلامية، بإقامة الخلافة الإسلامية.


ففلسطين فتحها عمر الفاروق رضي الله عنه، وحررها صلاح الدين رحمه الله من الصليبيين، وحافظ عليها السلطان عبد الحميد رحمه الله، وسيحررها قريبا بإذن الله خليفة المسلمين القادم من رجس يهود ومن مشاريع الصليبيين الجدد.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد عبد الملك

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار