خبر وتعليق   هل بلدنا مصر تحت الانتداب الأمريكي بدون قرار دولي
March 06, 2013

خبر وتعليق هل بلدنا مصر تحت الانتداب الأمريكي بدون قرار دولي

الخبر:


في 26/2/2013 أعلن المتحدث باسم البيت الأبيض أن الرئيس أوباما تحدث هاتفيا مع الرئيس المصري مرسي قائلا: "رحب الرئيس بالتزام مرسي بأن يكون رئيسا لكل المصريين بما في ذلك النساء وأتباع كل الأديان. وشدد على مسؤولية الرئيس مرسي عن حماية المبادئ الديمقراطية التي كافح الشعب المصري لتحقيقها، وشجع مرسي وكل الجماعات السياسية في مصر على العمل على التوصل إلى توافق والمضي بعملية التحول السياسي قدما". (رويترز).


التعليق:


إن المتابع للتصرفات الأمريكية القولية والفعلية تجاه مصر يتوصل إلى أن بلدنا مصر واقع تحت النفوذ الأمريكي وكأنه تحت الانتداب الأمريكي ويرى ذلك في النقاط التالية:


1. فالرئيس الأمريكي يأخذ التلفون ويتصل فورا بحاكم مصر محمد مرسي ويملي عليه عدة إملاءات منها: "التزام مرسي بأن يكون رئيسا لكل المصريين" فيفهم من هذه العبارة أن مرسي قد عين رئيسا أو حاكما لمصر من قبل أمريكا أو وافقت على تعينه بناء على التزامات ألزمته بها، وإلا فكيف تصدر هذه العبارة من دولة كبرى لرئيس دولة أخرى؟! فهل يستطيع أوباما أن يستعمل هذه العبارة مع الرئيس الفرنسي أو الروسي أو رئيس وزراء بريطانيا؟ لا يمكن؛ فإن الدنيا في تلك الدول سوف تقوم ولا تقعد ويصبح رئيسها مهزلة وتطالب شعوبها وعلى رأسهم حزب الرئيس بإسقاطه.


2. يوصيه بالنساء؛ ليكون رئيسا لهن فلا يهمشهن! بل هي عبارة إملاء وإلزام؛ فيفهم منها أن أمريكا هي الوصي على مصر ونسائها، وأن رئيسها وأهلها لا يستطيعون أن يحموا نساءهم وأنهم يهمشونهن وأن أمريكا هي الحامية لنساء مصر من رجالها! فهذا تدخل مباشر ووقح في شؤون مصر وكأنها دولة تحت الانتداب الأمريكي، عدا أنه استخفاف بمصر وبرئيسها. فالرئيس الذي يتمتع بصفة رجل الدولة يكون لديه إحساس مرهف وشعور بالمسؤولية وفهم وإدراك لما تعنيه تلك التصريحات ويوقف الأمريكان ورئيسهم عند حدهم ويقطع العلاقات معهم، ويثور ثورة الرجال الغيورين على حرائر مصر.


3. يلزمه بأن يكون رئيسا "لأتباع كل الأديان" فهو أي الرئيس الأمريكي يملي على مرسي كحاكم لمصر السياسة الداخلية في كيفية معاملة أهل البلد. وهذا تدخل سافر في شؤون مصر ودليل على أن أمريكا تنظر إلى مصر وكأنها دولة تحت انتدابها غير ناضجة لا تعرف كيف تعامل شعبها. فمفهوم الانتداب كما أصدرته عصبة الأمم التي تأسست عام 1919 وورثتها الأمم المتحدة منذ عام 1945 ولكن بأساليب أخرى يعني مسؤولية دولة كبرى عن شعب لم ينضج بعد في الحكم وفي إدارة شؤونه بنفسه، فتشرف عليه تلك الدولة الكبرى صاحبة النفوذ فيه وتوجهه وتعين عليه حكاما يلتزمون بأوامرها. فكان الانتداب صيغة أخرى للاستعمار وكانت مصر تحت الانتداب البريطاني فتحولت إلى الانتداب الأمريكي كما يظهر ولكن بدون قرار من الأمم المتحدة. ويفهم من ذلك أيضا أن أمريكا تضع الإسلام كالنصرانية ليس له علاقة بالحكم وبالسياسة والاقتصاد حيث تعتبره مجرد دين لا غير حسب المفهوم الغربي محصور في الاعتقاد والعبادة والتصرفات الشخصية مثل إطلاق اللحى. ولا تسمح لأهل البلد المسلمين أن يستأثروا بالحكم، وإنما تسويهم بالنصارى في موضوع الحكم. مع العلم أن الأكثرية الساحقة من أهل البلد مسلمون، وأن الإسلام نظام شامل للحياة وللدولة والمجتمع، وأن النصرانية عبارة عن دين روحاني كهنوتي ليس له علاقة بالدولة وبالحكم وبالسياسة والاقتصاد وغير ذلك من أنظمة المجتمع.


4. يلزمه بأن "يحمي مبادئ الديمقراطية" بل يشدد على هذا الالتزام. فيدل على أن أمريكا تحرص على أن تكون المبادئ الديمقراطية هي السائدة في مصر وتعمل على حمايتها عن طريق حاكم مصر حرصا منها ألا يفكر هو أو غيره بأن يأتي "بمبادئ الإسلام" ويجعلها أساسا للحكم في مصر. فأمريكا دولة علمانية كافرة قائمة على المبادئ الديمقراطية وتعمل على نشرها في العالم وترسل الجيوش لسيادتها، فتعتبر نفسها حامية الديمقراطية والعاملة على نشرها في العالم. وهنا تقرر أمريكا نظام الحكم في مصر فهذا عين الانتداب كما فعلت في العراق وفي أفغانستان ولكن كان الأمر في هذين البلدين عن طريق الاحتلال المباشر.


5. لم يكتف الرئيس الأمريكي بتوجيه رئيس مصر بل يعمل على توجيه كافة الجماعات السياسية ويطلب منه ومن تلك الجماعات "التوصل إلى التوافق". وهذا يؤكد على أن أمريكا تمارس صفة الوصي على مصر وعلى نظامها وعلى جماعاتها السياسية. والذي أطمع أمريكا بمصر هو خضوع النظام والقائمين عليه لأوامرها وإملاءاتها وتوصياتها وإعلانهم على الالتزام بكل المعاهدات والاتفاقيات التي عقدها النظام السابق ومعناها إبقاء مصر مرتبطة بالسياسة الأمريكية واستجداؤهم مساعدات صندوق النقد الدولي الذي تتحكم فيه أمريكا، واستقبال الكثير من الجماعات السياسية في مصر للسفيرة الأمريكية ولغيرها من المسؤولين الأمريكيين والتواصل معهم. فالحزب السياسي الصادق يرفض الاتصال بالأمريكيين وبغيرهم من الدول الأجنبية ويستنكر على نظام بلاده خضوعه لأمريكا ويستنكر تصريحات الرئيس الأمريكي ويقول له لا نسمح لك أن تتكلم في شؤون بلادنا فنحن نحل مشاكلنا بأنفسنا وحسب مبدئنا الإسلامي ولا نحتكم إلى مبادئ الكفر الديمقراطية.


6. إن تركيز أمريكا ودول الغرب كافة على المبادئ الديمقراطية وخوضها الحروب لنشرها لهو أكبر دليل على أن هذه المبادئ هي مبادئ كفر. وهي وسيلة فعالة وحصان طروادة للاستعمار وبسط النفوذ في مصر وفي غيرها من البلاد الإسلامية. والجدير بالذكر أن الدول الغربية الاستعمارية عندما لم تتفق على تقسيم الدولة العثمانية بينها في مؤتمر برلين عام 1878 اتفقت على فرض المبادئ الديمقراطية على الدولة العثمانية حتى تتمكن من النفاذ إلى الدولة فتكسب العملاء وتجعلهم يشكلون أحزابا ديمقراطية وعلمانية وقومية ووطنية فتتمكن عن طريق العملاء والاتصال بهذه الأحزاب من إحداث الفوضى في البلاد ومن ثم تتمكن من إسقاط النظام الإسلامي وإحلال النظام الديمقراطي مكانه ومن ثم تعمل على تمزيق رقعة الدولة والسيطرة على البلاد التابعة لها. وهذا ما حدث بالفعل؛ فاستطاعت الدول الاستعمارية أن تسقط الخلافة بواسطة هذه الأحزاب الديمقراطية وبواسطة العملاء الديمقراطيين والعلمانيين والقوميين والوطنيين وتمكنت من السيطرة على البلاد الإسلامية وأقامت فيها دولا متفرقة تابعة لها.


7. فيجدر بمن يريد أن يحكم البلد ويمارس العمل السياسي أن يتعظ من ذلك، وأن يتابع الأحداث اليومية من زاوية إسلامية وألا يخدع نفسه وغيره ويظن أنه يحسن صنعا، وهو يربط نفسه وبلده بأمريكا وغيرها من الدول الغربية الاستعمارية التي تعمل على محاربة الإسلام بنشرها "مبادئ الديمقراطية" وهي نقيض الإسلام، ويجدر به أن يكون صاحب إرادة صادقة وقوية يرفض التبعية لأية دولة ويتخذ الموقف الحازم منها، وليأخذ العبر كيف تصرفت أمريكا مع عميلها حسني مبارك وتخلت عنه غير آسفة عليه، وسوف لا تأسف على مرسي إذا رأت أن مصلحتها تقتضي التخلي عنه. ولينظر كيف تتصل بأقطاب المعارضة كما تتصل بالقائمين على النظام فتعمل على إدارة اللعبة السياسية في مصر. فتبني الديمقراطية من قبل النظام ومن قبل كثير من الأحزاب هو الذي يبقي مصر تدور في دائرة النفوذ الغربي وتحت الانتداب الأمريكي، فلا يمكن النهوض بالبلد وتحريرها من الاستعمار ونفوذه إلا بإزالة أفكاره الديمقراطية والعلمانية والوطنية والقومية وإسقاط النظام القائم عليها، وبتبني الإسلام قولا وفعلا وتطبيقه في الدولة فورا والتخلي عن المتاجرة به للوصول إلى المناصب.


أسعد منصور

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار