خبر وتعليق   هل تخطط دول مجلس التعاون الخليجي لتوثيق علاقاتها؟
June 17, 2012

خبر وتعليق هل تخطط دول مجلس التعاون الخليجي لتوثيق علاقاتها؟

منذ سنوات والحديث يدور حول إيجاد اتحاد بين دول مجلس التعاون الخليجي، البحرين والكويت وقطر وعُمان والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وهو المجلس الذي تشكل في عام 1981، ومع ذلك فإنّه في الأشهر الأخيرة كانت الحاجة ماسّة لدى بعض الدول الأعضاء للمضي قدما في تعزيز العلاقات السياسية والمالية بسبب الزيادة الكبيرة في هذه العلاقات، ففي كانون الثاني/ديسمبر 2012، دعا الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، عاهل المملكة العربية السعودية، في قمة دول مجلس التعاون الخليجي الدول الأعضاء إلى الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة "الاتحاد"، وقد اتخذت المملكة العربية السعودية والبحرين بالفعل خطوات لبناء علاقات قوية عسكرية واقتصادية بينهما.


ولغاية الآن فإنّه على الرغم من هذه التطورات، فإنّ هناك من بين الدول الأعضاء وخاصة الصغيرة من تشعر بأنها مهددة بشكل واضح من المملكة العربية السعودية، مثل عُمان والإمارات العربية المتحدة، ويخشون من تخليهم عن جوانب معينة من سيادتهم لصالح الرياض، وفي وقت سابق من هذا الشهر، سفّهت عُمان فكرة الاتحاد برمته، حيث قال يوسف بن علوي بن عبد الله، الوزير المسئول عن الشؤون الخارجية في عُمان " ليس هناك اتحاد خليجي ".


ومهما كان صعبا على بعض الدول الأعضاء قبول مشروع الوحدة، فإنّ هناك عوامل عدة تجبر دول مجلس التعاون الخليجي عمليا على المضي قدما في الوحدة، وتشمل ما يلي :


1- الصحوة المتنامية في العالم الإسلامي :

إذ إنه قبل اندلاع الانتفاضات الحالية في العالم العربي، كانت الفكرة النمطية عن الأمة أنّها في تراجع دائم، حيث كان العرب يشعرون أنهم دون باقي شعوب الدول الصناعية نتيجة لاتفاق سايكس بيكو عام 1916، وليس بسبب واقع الأمة الحقيقي، فمفهوم قوة الأمة الحقيقي مستمد من مصادر الشريعة الإسلامية وتاريخ الأمة العريق، والتي تتعارض مع نموذج الدولة القومية، وعلاوة على ذلك، فإنّ المسلمين يتصرفون وكأنهم أمة واحدة على اختلاف أعراقهم وأنسابهم. والعرب من دول مجلس التعاون الخليجي لا تختلف مشاعرهم عن باقي الأمة ويشعرون بالانتماء إلى جسم الأمة أكثر من انتمائهم إلى بلدانهم، فعلى سبيل المثال، فإنّه في الأسبوع الماضي، أصدر الشيخ علي الحكمي من مجلس هيئة كبار علماء السعودية فتوى تحظر الجهاد في سوريا، وقال " إنّ الشعب السوري يواجه الظلم والاضطهاد من نظام متكبر ومتغطرس، ويحتاج إلى دعائنا وإلى المساعدة بكل الطرق الممكنة، وينبغي أن يكون الدعم للشعب السوري منسجما مع سياسة البلاد، فكل شيء يجب أن يكون مرتبطا مع النظام وسياسات البلاد، ولا ينبغي أن يُسمح لأي شخص أن يعصي الحكومة السعودية ويدعو إلى الجهاد ". وتزامنا مع هذه الفتوى السعودية كانت فتوى أخرى قد صدرت في موسكو حظرت مصطلحيْ الجهاد والخلافة، ومنعت استخدامهما لأهداف سياسية، حيث كان ذلك في الاجتماع الذي عُقد لعلماء دين من دول مجلس التعاون الخليجي، من المملكة العربية السعودية والكويت وقطر، بالإضافة إلى خبراء إسلاميين من المغرب والأردن وتونس والبحرين والعراق ومصر ولبنان وموريتانيا والسودان وأفغانستان وتركيا (المرجع: علماء الدين الإسلامي يحظرون استخدام مصطلحي الجهاد والخلافة لتحقيق أهداف سياسية، وكالة انترفاكس على الانترنت 29 مايو 2012). لذلك فإنّه ليس من المستغرب أن نجد دول مجلس التعاون الخليجي تشارك في المساعي التي تحظر استخدام مثل هذه المصطلحات لأنّ مثل هذه الدعوات تعزز من ثقة الأمة بنفسها وتشكل تهديدا مباشرا على وجود هذه الأنظمة.


2- رياح التغيير السياسي هي العامل المحرك الثاني الذي يشكل سلوك دول مجلس التعاون الخليجي، فقد أطلقت الحركات الثورية في العالم العربي العنان لبروز مجموعة جديدة من مطالب الإصلاح السياسي، وهذه الإصلاحات على طرفي نقيض مع النخب الحاكمة التي تترأس الديكتاتوريات القديمة والإقطاعيات التي تهيمن على العالم العربي، فالثورة في تونس ورحيل بن علي وطغاة مثل مبارك والقذافي أرسل رسالة قوية لباقي الحكام المتبقين، والعرب في الخليج ليسوا بمنأى عن مثل هذه الانتفاضات السياسية التي يعيشها الأخوة زملاؤهم في العالم العربي، والانتفاضات في البحرين وسلطنة عُمان والمناوشات في شرق المملكة العربية السعودية هي مبشرات تكشف عن أحداث سريعة وتغيير في المشهد السياسي. وللتصدي للحركة الثورية للحفاظ على الوضع الراهن، عقدت دول مجلس التعاون الخليجي العديد من الاجتماعات، وتم التفكير في توسيع العضوية لتشمل المغرب والأردن.


3- المخاوف الأمنية الإقليمية :

فالتهديد من إيران، أو بدقة أكبر - صعود ما يُسمى 'بالهلال الشيعي'-، أضاف بعدا عسكريا قويا لجهود الوحدة، فدول مجلس التعاون الخليجي حريصة جدا على عدم زوال القوة "السنية" في المنطقة، ولاسيما في بلدان مثل العراق ولبنان، كما أنها متخوفة أيضا من احتمالات اندلاع ثورات من سكانها الشيعة، فقد كان تمرد الشيعة في البحرين ضد الملك حمد بمثابة جرس إنذار لدول الخليج، وعلى وجه الخصوص، تخوفهم من دور إيران في إثارة المعارضة الشيعية، وبالتالي ضاعفت تلك الدول من جهودها الرامية للحد من النفوذ الإيراني، فقد ارتفع الإنفاق العسكري الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي بشكل حاد في السنوات القليلة الماضية، وارتفعت ميزانية الإنفاق على أجهزة الاستخبارات بنسبة 14 بالمائة على مدى السنوات الخمس المقبلة، وعلى الصعيد الوطني، فإنّ ميزانية الدفاع تمثل 10-20 في المائة من مجموع نفقات الدولة سنويا، ففي عام 2010، كانت التوقعات تشير إلى أنّ مجموع نفقات دول مجلس التعاون الخليجي على الدفاع والأمن بلغت 68.3 مليار دولار، وفي عام 2011 بلغت 73.4 مليار دولار، وستتواصل الزيادة لتصل إلى 82.5 مليار دولار بحلول عام 2015 ( المرجع: ديفيد هدنغرين: سيستمر الشرق الأوسط في الإنفاق الدفاعي في الارتفاع، ميدل ايست اونلاين 18 تشرين الأول 2011 ).


مجموعة هذه العوامل آنفة الذكر هي وراء التحرك الأخير نحو الوحدة وليس لاعتبارات أيديولوجية، وبالإضافة إلى ذلك، فإنّه بالنظر إلى الخلافات السياسية بين الدول مثل المملكة العربية السعودية وقطر، فإنّه من الصعب تصور كيف يمكن أن يكون هذا الاتحاد وكيف سيعمل من دون قيادة سياسية وحيدة، ولمحة سريعة على فشل الاتحاد الأوروبي في معالجة الأزمة الأوروبية، أو التحدث بصوت واحد في الشؤون الخارجية، يظهر فشل المضي قدما في وحدة من دون وحدة سياسية.
نموذج الوحدة السياسي الوحيد الذي تم اختباره والذي استمر لعدة قرون، ضمن قيادة واحدة وضمن الأمن والرخاء للمسلمين (بغض النظر عن كون المواطنين عرب أو غير عرب) هو نموذج الخلافة، والخلافة ليست اتحادا بين البلدان أو دولة فيدرالية، وإنما هو نظام سياسي فريد من نوعه، حيث ينتخب المسلمون الحاكم الذي يحكمهم لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وما هي إلا مسألة وقت حتى يُطاح بالأنظمة الاستبدادية في منطقة الخليج ويُفسح المجال لعودة الخلافة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ... ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ).


أبو هاشم البنجابي

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار