April 08, 2014

خبر وتعليق هل يستحق أردوغان كل تلك الأدعية


الخبر:


هنأ رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور القرضاوي، رئيس الوزراء التركي، أردوغان بفوز حزبه وتقدمه في الانتخابات البلدية، مشيرًا إلى أنه سجد لله شكرا على هذا الفوز. وقال القرضاوي في رسالة تهنئة بعث بها إلى أردوغان: "كنت قبل الانتخابات أنا وأهلي وأولادي وأحفادي وإخواني، وكل من حولي، ندعو الله تعالى في حرارة وابتهال أن ينصركم، ويحقق آمالكم وبعد ظهور النتيجة بفوزكم كان الحمد والتكبير لله، الذي صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب المعادية وحده." وأضاف: "سجدنا سجدة الشكر لله، ودعوناه أن يتم عليكم نعمته، ويحرسكم بجند من جنده، ويؤيدكم بروح من عنده، ويحفظكم...".

التعليق:


من يسمع كل هذه الأدعية بالتوفيق والسداد لأردوغان، بل والسجود شكرا لله لفوزه في الانتخابات البلدية، يظن أن أردوغان قد حقق نصرا لأمته ما بعده نصر، وأنه هو من رفع راية الإسلام خفاقة عالية. فمن هو أردوغان وما الذي فعله حتى يستحق كل هذه الأدعية من رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟!


رجب طيب أردوغان من مواليد 1954/2/26 حي قاسم باشا في اسطنبول، جاءت أسرته من محافظة رزا شمال البلاد. التحق بمدرسة الأئمة والخطباء الدينية، ولازم نجم الدين أربكان وتقلب في العديد من المناصب قبل أن يصبح عمدة اسطنبول في سنة 1994. سجن لمدة أربعة شهور ومنع من ممارسة أي نشاط سياسي بعدما أنشد شعرا لشاعر تركي مشهور يقول فيه: "المساجد ثكناتنا والقباب خوذنا والمآذن حرابنا والمؤمنون جنودنا" ثم صدر عنه عفوٌ عامّ.


بعد خروجه من حزب الفضيلة، أسس حزب العدالة والتنمية مع صديقه عبد الله غول. وبعد وصوله إلى رئاسة الوزراء ألغى سياسات أربكان السابقة وأبرزها سياسة "التوجه شرقا" واستمر في التوجه نحو أوروبا والغرب. في سنة 1994 قال: "إن العقيدة العلمانية التي يقوم عليها النظام التركي لا بد من إلغائها لأن الإسلام والعلمنة لا يمكن أن يتعايشا معا، واعتبر أنه لو اعتمدت تركيا نظامًا إسلاميًا يعترف بجميع المواطنين بصفتهم مسلمين لما كانت واجهت المشكلة الكردية في جنوبي شرق البلاد، وانتقد الدستور وقال أنه كُتب بيد "سكيرين". ثم نكص على عقبيه بعد ذلك ليقول "أنه يرى العلمانية بمثابة ضمانة للديمقراطية" وشدد على عدم تشويه العلمانية بإساءة تفسيرها وإظهارها وكأنها تتعارض مع الدين. كما نفى الرجل الإسلامية عن حزبه فقال "البعض يسموننا حزبًا إسلاميًا والبعض الآخر يراه إسلاميًا معتدلًا ولكننا لا هذا ولا ذاك، نحن حزب محافظ ديمقراطي ولسنا حزبًا دينيًا وعلى الجميع أن يعرف ذلك"، كما صرح لجريدة السفير اللبنانية في 2009/12/12 بقوله: "إن حزب العدالة ليس حزبا إسلاميا ويرفض وصف سياسة حكومته الخارجية بالعثمانية الجديدة، ويرفض اعتبار تعاطفه مع غزة بأنه من منطلق إسلامي". ولو قرأنا مقدمة البرنامج السياسي لحزبه لتبين لنا واقع هذا الحزب؛ حيث يقول البرنامج "إن حزبنا يشكل الأرضية لوحدة وتكامل الجمهورية التركية حيث العلمانية والديمقراطية ودولة القانون وصيرورات الحضارة والدمقرطة وحرية الاعتقاد والمساواة في الفرص تعتبر جوهرية".


وبرغم وضوح كلام الرجل نجد من يجادل عنه فيصف حزبه بالإسلامي ودولته بالنموذج الذي يجب أن ينسج الإسلاميون على منواله. وكلمته المشهورة أكبر رد على هؤلاء، إذ قال بكل صلف "تمدن المسلمين لا يمكن أن ينافس تمدن الغرب". وعندما سُئل أربكان في حديث له مع جريدة الشرق الأوسط - قبل وفاته - عن الدوافع التي جعلت أردوغان ينشق عن حزب الفضيلة، قال: "أردوغان لم يؤسس حزبًا بمبادرة منه بل أُعطي أوامر بتأسيس حزب، لماذا أصبح أردوغان أُلعوبة في هذا المشروع؟ لأنه لديه ضعف إزاء الموقع والمال والرئاسة والمنصب"، ثم قال: "لسنا راضين عن ولائه وكونه شريكا للصهاينة في بعض البرامج". كما قالت اويا اكجونينش إحدى القيادات البارزة في "حزب السعادة" الإسلامي: "إن حزب العدالة والتنمية حزب رجال الأعمال والأثرياء، فهم أكثر من استفاد من سياسته، وهو حزب مؤيد لأميركا ومؤيد لأوروبا وليبرالي في سياسته الاقتصادية". وكان كبير مستشاري عبد الله غول قد نفى إمكانية تحول تركيا إلى دولة إسلامية وقال: "إن تركيا تقوم على أسس لا يمكن تغييرها أو تعديلها وأولها علمانية الدولة وديمقراطيتها".


مما لا شك فيه أن مواقف أردوغان "البطولية" في دافوس وسفينة الحرية وسحبه لسفير بلاده في دولة "يهود" لشعوره بالإهانة أوجدت له شعبية كبيرة في العالم العربي استفاد منها كثيرًا، بحيث أصبح موضع أمل الكثيرين الذين لم يتعودوا على مثل هذه المواقف من زعماء بلدانهم. ولكن لا ننسى في خضم هذه المواقف "البطولية" حقيقة أن تركيا لاعب رئيس في مسيرة التطبيع مع "يهود" التي انخرطت فيها جميع دول المنطقة بلا استثناء. ومما لا شك فيه أن ادعاء تركيا بأنها تدعم المقاومة الفلسطينية ادعاء ساقط فالتطبيع ودعم المقاومة نقيضان لا يلتقيان.


كما أن العلاقات المميزة بين تركيا والولايات المتحدة وكون تركيا عضوًا في حلف الأطلسي وتربطها علاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية معلنة مع يهود، يرشحها للعب دور عاقد النكاح الذي يراد إكماله بين العرب ويهود. لقد سلمت أميركا بعضا من مفاتيح الحل السوري إلى أردوغان، وهو حتى الآن لا يرغب بالضغط على نظام بشار الأسد الذي أهداه لواء الإسكندرونة ومسحها من خارطة سوريا. ومن غير نظام الأسد سيستمر بتسليم عناصر من حزب العمال الكردستاني إلى الدولة التركية؟


ثم كيف لنا أن ننسى هرولة أردوغان لممالقة أعداء الله والمؤمنين في "كيان يهود" بإرسال طائرات للمساعدة في إطفاء الحريق الذي شب في مدينة الكرمل المحتلة وذلك حتى دون أن تطلب دولة يهود المساعدة منه لا خفية ولا علانية، كما وتأسف لمقتل 41 مغتصبا، إذ قال: "تلقينا بأسف خبر وفاة 41 شخصا لديكم. وكان من الواجب علينا تقديم العون لكم في مصابكم وكارثتكم من منطلقنا الإنساني والإسلامي"، ذلك رغم أن رد اليهود عليه في موضوع الاعتذار في موضوع السفينة كان على النحو التالي: "اعتذارنا عن قتل 19 إرهابيًا أتراكًا فقط". وعندما سأله أحد المخدوعين بكلامه في دافوس عندما أظهر "انزعاجه" من عدوان يهود على غزة، "إذن لماذا لا تقطع تركيا العلاقات الدبلوماسية مع يهود؟ أجاب "إن بقاء العلاقات مع "إسرائيل" خير من قطعها. هذا فضلا عن مشاركته دولة الطاغوت أمريكا في حربها ضد المسلمين في أفغانستان، حيث شاركت تركيا بـ 1755 عنصرًا في احتلال أفغانستان حيث يعملون ضمن قوات حلف شمال الأطلسي الناتو، بل وقادت قوات الناتو في أفغانستان في الفترة بين شباط/فبراير 2004 وآب/أغسطس 2005.


قد يكون أردوغان حقق نموًا اقتصاديًا لبلاده، ولكن هل طبق أردوغان إسلامًا؟ إن جُل ما فعله أردوغان أنه حول تركيا من دولة معادية للإسلام إلى دولة علمانية تفصل الدين عن الحياة والدولة، وجعل الإسلام على قدم المساواة مع غيره من الأديان. فهل الإسلام مساوٍ لغيره من الأديان؟!


هذا هو أردوغان، فهل يستحق أن يجعل منه البعض بطلا؟ وأين هو والشريعة التي يزعم من يؤيده ويجعل منه زعيما، أنه يريد أن يراها مطبقة؟!

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار