March 26, 2014

خبر وتعليق حرب الإدراك بين حزب العدالة وجماعة غولان


الخبر:


ذكر موقع تركي غازيت التركي بأن نائب رئيس الوزراء والناطق الرسمي باسم الحكومة، بولنت أرينج صرح أن رئيس الوزراء تلقى تهديدا بشأن مراكز التدريس الخاص، وقال ما يلي: "قال لي رئيس الوزراء (قاموا بتهديدي وتهديد حكومتي بشأن مراكز التدريس الخاص، وقالوا سنقوم بالكشف عن هذا وذاك، ونعرضه على الساحة، ولقد رأيت فيهم الراحة، فقلت لهم اعرضوا ما تملكه أيديكم، وقوموا بما تشاؤون، فلن أعود عن كلمتي). فقلت لهم إذن في النهاية كنتم ستتصرفون على هذا النحو المتدني، فبينما فكرت إيجابيا أن كل شيء قد انتهى بعد موضوع مراكز الدروس الخاصة، بدأت القنابل بالانفجار. هذا يعني أن رئيس وزرائنا كان على حق، فالقضية ليست قضية مراكز الدروس الخاصة، تماما مثل أحداث غازي بارك فهي ليس قضية 3-5 أشجار، بل يقصد أمر آخر".

التعليق:


إن الأمر الوحيد الغالب على الساحة التركية بلا نقاش منذ تاريخ 17 كانون الأول/ديسمبر حتى يومنا هذا هو الصراع الدائر بين حزب العدالة والتنمية والجماعة. فالصراع يكتسب أبعادًا جديدة في كل يوم. وخلال أسبوعين فإن هذا الصراع أصبح في وضع يقلب الميزان.


حيث إن الجماعة قامت بتحويل كامل قواها وأسلحتها التي استخدمتها سابقا في وجه الأرجينيكون لتستخدمها حاليا في وجه حكومة حزب العدالة والتنمية. بينما حكومة حزب العدالة والتنمية وكأن منافسها في الانتخابات هي الجماعة، فعينتها هي الهدف وتقوم بمهاجمتها في كل فرصة تسنح أثناء زياراتها للمدن.


وعلى الرغم من أننا لو قمنا بالموازنة بين قوى حزب العدالة والتنمية وقوى الجماعة لوجدنا هوة كبيرة بينهما، إلا أن الجماعة تملك قوة خاصة بها تنحدر من الوظائف التي يشغلها منتسبوها ووسائل الإعلام الموالية لها، وخصوصا التنصتات التي تقوم بها. حيث إن الجماعة قامت بالتنصت على قسم كبير من الشعب سواء على جميع الأحزاب السياسية إلى رجال الأعمال، ومن مدراء وسائل الإعلام إلى الفنانين، ويتضح ذلك من أشرطة أردوغان التي تم نشرها. كذلك ما اتضح في الأيام السابقة بعد تغييرات المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين من قيام الجماعة بالتنصت على أكثر من ثلاثة آلاف شخص تقريبا موالين لحكومة حزب العدالة والتنمية بناء على قضية تنظيم. كما تم في الأسبوع المنصرم نشر ستة أشرطة تنصت لإثبات عملية الرشوة والفساد التي كان من ضمنها أردوغان بنفسه وابنه بلال أردوغان، وإبراهيم كالين رئيس مستشاري وزير الخارجية داوود أوغلو.


لذلك فإن قيام الجماعة بنشر أشرطة التنصت على حكومة حزب العدالة والتنمية يخيف الأحزاب الأخرى أيضا. وحتى لو كانوا لا يوالون الجماعة فهم في هذا الصراع يخشون الظهور حتى بالقرب من حزب العدالة والتنمية. حيث إن المعارضة لا تقترب ولا بأي شكل من النداءات التي وجهها أردوغان للتضييق وخنق الجماعة، بل حتى إنها مثل الجماعة تنادي بوجود الفساد.


وكما أشرت سابقا في مقالاتي، فإن 17 كانون الأول/ديسمبر يعد التاريخ الذي خفت فيه نور أردوغان وسمعته. فخلال السنوات العشر السابقة كانت أي معارضة لحزب العدالة والتنمية تعود لصالحه. حتى إن أردوغان كان يقول: "طالما بايكال موجود في المعارضة سنواصل نحن الجلوس على السلطة".


في البداية أفسدت أحداث غازي بارك أجواء حزب العدالة والتنمية. كما يبدو أن هذه الشريحة تتأثر من وقت لآخر من الخطابات التي تتم من على الشُرَف. إلا أنه خصوصا بعد أحداث غازي بارك أصبحت هذه الشرائح بالكامل في مواجهة الحزب وكما تعمقت الهوة بينهما فقد تحولت أيضا إلى صراع.


إن عملية 17 كانون الأول/ديسمبر قد تمت لأول مرة من قبل شريحة تتواجد ضمن مكونات حزب العدالة والتنمية. كذلك في السابق كانت أحزاب المعارضة تتهم الحزب بالفساد، إلا أن الشعب لم يوافق المعارضة أبدا في اتهاماتها. ولكن أحد الأسباب التي جعلت التحقيق في عملية الفساد مؤثر لهذه الدرجة ينحدر من كون المدعين العامين الذين يحققون في عملية الفساد هم أنفسهم المدعين العامين الذين عملوا على قضية الأرجينيكون والمطرقة الذين قام حزب العدالة والتنمية بمدحهم ورفعهم لدرجات عليا.


من جهة أخرى فإن أشرطة التنصت على أردوغان والمقربين منه وأعضاء حزب العدالة والتنمية التي تبث كل يوم تقريبا تلفت انتباه الشعب وتشده، حيث إن وسائل الإعلام التابعة للجماعة وللقوميين تبحث هذا الموضوع باستمرار. فأصبح هذا الإدراك النامي بشأن عملية الفساد ضد حزب العدالة والتنمية يخيفه.


إذن لذلك كان رئيس الجمهورية عبد الله جول يوجه رسالة بـ"جميعنا على نفس المركب"، فكان الذين يرونه على متن هذا المركب يتصرفون وكأنهم لم يروا "أشرطة رشوة الصناديق المليئة بالنقود وملايين الدولارات التي تم نشرها". فلم يكن أحد يناقش الفساد والرشوة.


لنقل أنه تتم مناقشة إذا كانت أشرطة التنصت هذه صحيحة أم لا.


صحيح أن القانون يقول أن :"الجميع بريء حتى تثبت إدانته"، لكن الحكومة منزعجة من مناقشة الموضوع حتى، فكيف ستكون بشأن محاسبتها؟ لذلك فإنها ستعمل بكامل قواها لخلق إدراك في المجتمع يغطي على مسألة الفساد والرشوة.


لهذا السبب فإن نائب رئيس الوزراء والناطق الرسمي باسم الحكومة، بولنت ارينج أفاد: "أن الحكومة قد تلقت تهديدا، وأنه سيتم الكشف عن أشرطة، وأن تحقيق 17 كانون الأول/ديسمبر لا يشبه أحداث غازي بارك فهو ليس مسألة 3-5 شجرة".


إذا تمكن حزب العدالة والتنمية من النجاح في هذا التحرك النفسي، وكان الحزب الأول في الانتخابات المحلية، فإنه سيبدأ حربًا حقوقية كبيرة ضد الجماعة.


ولكن إذا نفذت المياه إلى السفينة فقد تصل تسربات كبيرة إلى حزب العدالة والتنمية. لذلك فإن حزب العدالة والتنمية الذي على علم بذلك يعمل ما بإمكانه للحيلولة دون تزعزع صورة الحزب هذه.


الشيء الجميل في هذا الصراع بالنسبة للأمة بشأن الحكومة: هو أن هذا الصراع قد كشف بالأمثلة عن حقيقة النظام الجمهوري الذي يعد شكل الحكم الرأسمالي العلماني الديمقراطي كيف أنه نظام فاسد نتن.


أما بالنسبة للجماعة: فإن ما حملته للأمة بأهداف سرية من "الإسلام الديمقراطي المدني" و "الحوار بين الأديان" قد سقط من عيونها وأصبح دون اعتبار.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عثمان يلديز

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار