January 14, 2014

خبر وتعليق حتى تكتمل الفرحة بالاستقلال


الخبر:


احتفل أهل السودان في مطلع يناير من هذا العام بذكرى الاستقلال وهذا ما درجوا عليه.


التعليق:


بالرغم من أن هذا الخبر قد مرت عليه عدة أيام إلا أنه يكتسب أهمية خاصة لكونه حدثاً يتكرر في كل البلاد التي كانت مستعمرة في السابق ففي تونس يحتفلون في 20 من مارس وفي الجزائر في 5 من يوليو والمغرب في 18 من نوفمبر، والأردن في 22 مايو، ليبيا 24 ديسمبر، في سوريا 17 أبريل... وهكذا في كل العالم الإسلامي جعلوا لهم يوماً وطنياً يحتفلون فيه بمناسبة خروج المستعمر من البلاد.


نعم إن جيوش الاستعمار قد خرجت، وذلك بعد أن دفع الناس مهراً غالياً بلغ الملايين من القتلى فحق للناس أن يفرحوا بزوال هذا الكابوس الذي جثم على صدورهم عشرات السنين. أذاقهم فيها صنوف الذلّ والهوان والاستعباد والشقاء. وبخروجه كان من الطبيعي أن تزول آثاره وينعم الناس بالحياة، ولكن الناظر وخاصةً في البلاد الإسلامية يجد أن القتل ينتشر في معظم البلدان، سوريا، مصر، اليمن، لبنان، السودان... والقائمة تطول، فلا يوجد إحساس بالأمن. أما في الاقتصاد فنجد الفقر والعوز هو المسيطر على حياة الناس، وذلك من ارتباط اقتصاديات تلك الحكومات بالنظام الرأسمالي العالمي، وفروعها لسياسات صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، التي صنعت خصيصاً، لامتصاص خيرات البلاد. أما في السياسة فلا تكاد ترى أي نوع من الاستقرار السياسي بل لا يوجد ولا بلد واحد في العالم الإسلامي به دستور دائم ينظم الحياة السياسية، فالسياسة الخارجية لهذه الدول تكاد تكون مكاتب لوزارات الخارجية لأمريكا والدول الأوروبية وباختصار فإن سائر الحياة في البلاد التي خرج منها الاستعمار وخاصة العالم الإسلامي فهي حياة شقاء وتعاسة، والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح لماذا لم تتغير حياة الناس للأفضل بعد خروج الاستعمار.


إن الإجابة على هذا السؤال موجودة في المخطوطات التاريخية ومذكرات ورسائل الساسة والمفكرين الغربيين، الذين عاصروا عصر الاستعمار، فبالرجوع إليها نعرف الدافع الحقيقي للاستعمار وأن الدافع المادي هو نهب ثروات البلاد المستعمرة حقيقة لا ينكرها منكر ولكن ليست هي وحدها الدافع الحقيقي ونأخذ بعض النماذج يمكن الوصول للحقيقة. يقول "جان بول رو" [الكاتب الفرنسي المولود في عام 1925م] "لقد اعتدنا أن نتحدث عن ثماني حملات صليبية امتدت منذ 1270م إلى 1960م... فقد قذف بملايين الأوروبيين إلى الشواطئ الشرقية ومهمتهم تغيير المعتقدات الشرقية، نعم إن الهدف هو تغيير المعتقدات الشرقية التي هي بطبيعة الحال إسلامية. وما دام هذا "لم يكن القضاء على الدولة العثمانية إلا مظهر من مظاهر الهجوم العام الذي يشنه الأوروبيون على الدولة الإسلامية من جزر الفلبين إلى قلب أفريقيا، فقد عمل الرجل الأبيض على بسط سيطرته على الرجل المسلم، وفرض عليه مفاهيمه في الوجود وطريقة معيشته، وتفكيره ومخططاته وتكتيكه". [الإسلام في الغرب 41-43، 56،66،70].


أما تقرير المستشار الأول للرئيس الأمريكي "جونسون 1964م" فقد نص على "... يجب أن ندرك أن تلك الخلافات بين إسرائيل والعرب لا تقوم بين دول أو شعوب بل تقوم بين حضارات، لقد كان الصراع بين المسيحية والإسلام محتدماً على الدوام، منذ القرون الوسطى بصورة أو بأخرى، منذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب والتراث الإسلامي للتراث المسيحي، وتركت هذه السيطرة أثرها البعيد في المجتمعات الإسلامية حتى بعد انتهاء أشكالها السياسية. بحيث جعلت المواطن العربي يواجه معضلات ومشكلات هائلة وخطيرة، في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، ولا يدري كيف يتعامل معها في علاقاته الداخلية والخارجية على السواء. لقد تحرر حقاً من سيطرة الغرب السياسية - أي العسكرية - ولكنه لم يستطع التحرير من سيطرة الغرب الحضارية..." [كتاب: عن معركة الإسلام - 184،183].


ونختتم ما اقتبسناه من مقولاتهم بخطاب رئيس الوزراء البريطاني "جلاديستون" وهو يخاطب البرلمان البريطاني شارحاً فيه السياسة الاستعمارية في البلاد الإسلامية "ما دام هذا القرآن موجوداً بين أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق ولن تكون هي نفسها في أمان" [كتاب: قادة الغرب يقولون - 38].


وتنفيذاً لتلك السياسة فإننا نجد أول ما بادر الاستعمار لفعله بعد سيطرته العسكرية على البلاد الإسلامية هو إلغاء الشريعة الإسلامية وإبعادها من الحياة العامة؛ ففي الهند ألغيت الشريعة عام 1791م، وفي الجزائر 1838م، وفي تونس 1906م، وفي المغرب 1913م.


من هذه الأقوال والتصريحات والتقارير ومن تتبع أعمال الاستعمار في البلاد الإسلامية يمكن إدراك أن الاستعمار لم يكن عسكرياً فحسب بل كان سياسياً واقتصادياً وفكرياً وحضارياً. لذلك حينما تخلصنا من الجانب العسكري لم نذق طعم الاستقلال ولن تكتمل فرحتنا إلا إذا تخلصنا من جميع وجوهه، فتعود حياتنا إلى سيرتها الأولى حيث كانت الأمة الإسلامية أمة واحدة تؤمن بربها تحكّم كتابه، عزيزة بعزة هذا الدين، فننال خيري الدنيا والآخرة، حينئذٍ نفرح بنصر الله، ولمثل ذلك فليعمل العاملون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس/ حسب الله النور سليمان

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار