خبر وتعليق   هونغ كونغ الرأسمالية تعاني من مستويات مرتفعة من رق النساء   (مترجم)
January 30, 2014

خبر وتعليق هونغ كونغ الرأسمالية تعاني من مستويات مرتفعة من رق النساء (مترجم)


الخبر:


في الآونة الأخيرة أصبحت الأضواء مسلطة على هونغ كونغ الديمقراطية، البلد ذات الصورة المتمدنة والمكانة العالية، باعتبارها واحدة من المراكز المالية العالمية بسبب الممارسات التي "تشبه الرق" والتي يعاني منها مئات الآلاف من العمال المهاجرين إليها. إن قضية إرويانا سوليستيانينجسي - وهي عاملة منازل إندونيسية قد تعرضت لسوء المعاملة على يد صاحب عملها لمدة ثمانية أشهر حتى وصلت تقريبًا لحالة الشلل - أثارت تعاطف الجمهور في هونغ كونغ، وأدت إلى مسيرة كبيرة في 12 كانون الثاني/يناير وخرج فيها 6000 إندونيسي وعمال فلبينيون مهاجرون وكذلك سكان هونغ كونغ أنفسهم. وقد طالبوا جميعًا شرطة هونغ كونغ بتقدم التحقيق في قضية إرويانا، وكذلك بمراجعة الأسلوب الذي استخدمته الشرطة في التعامل مع الشكوى الصادرة عن عاملة المنازل المهاجرة.


وأوردت صحيفة (South China Morning Post) أن شرطة هونغ كونغ رفضت في البداية التحقيق في قضية إرويانا، وقد أثار هذا احتجاجًا شديدًا من الجمهور. والجدير بالذكر أن هذه لم تكن أول قضية عنف ضد عاملات المنازل في هونغ كونغ. فقد نشرت بعثة هونغ كونغ للعمال المهاجرين (MFMW) دراسة العام الماضي بناء على مقابلات مع أكثر من 3000 من عمال المنازل الأجانب، وقد وجدت أن ثلث هؤلاء العمال لم يخصص لهم مسكن مناسب. بالإضافة إلى ذلك، فقد أصدرت منظمة العفو الدولية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي تقريرًا يدين الظروف "الشبيهة بالرق" التي تواجهها آلاف النساء الإندونيسيات العاملات في هونغ كونغ، واتهمت حكومة هونغ كونغ بغض الطرف وعدم التصدي لهذه الممارسات والتي تمثل عبودية حديثة.


وتعتبر هونغ كونغ موطناً لحوالي 300,000 خادم قادمين من بلدان جنوب شرق آسيا بشكل رئيسي معظمهم من النساء - أغلبهن من إندونيسيا والفلبين - وقد تعرضت لانتقادات متزايدة من مجموعات مهتمة بسبب المعاملة التي يتعرض لها هؤلاء العمال. وبسبب السياسات المفروضة على العمال المهاجرين، فإن الخادمات يترددن في الإبلاغ عن الإساءات التي يتعرضن لها خوفًا من فقدان مصدر رزقهن وترحيلهن إذا لم يجدن وظائف جديدة بسرعة.

التعليق:


هذا هو الثمن الباهظ لطراز الحياة الرأسمالية في مدينة يقال إنها تمثل التقدم الاقتصادي الحديث في آسيا. وهونغ كونغ التي تتمتع بمؤشر مرتفع للتنمية البشرية، تعمل على تكريس واستمرار إذلال الكرامة الإنسانية حيث يتم التمييز ضد مئات الآلاف من عاملات المنازل، واللواتي يعانين من سوء بيئة العمل وحتى إنهن يتعرضن للاعتداء البدني. ولا تعتبر هونغ كونغ استثناءً، فعدة مدن في الغرب الرأسمالي والتي تعتبر رائدة في الحياة العلمانية الحديثة مثل لندن وأوهايو، تعاني كذلك من مستويات مرتفعة من التجارة بالنساء واستعبادهن. وهذا يثبت فشل الدول الديمقراطية الرأسمالية في منع العبودية والظلم وإذلال الملايين من النساء الضعيفات وحماية الكرامة الإنسانية.


لقد نجحت الرأسمالية في هذا العصر في بناء حضارة بشرية مفترسة جشعة. وجاء هذا نتيجة لإنشائها نظامًا يعتمد على الفرق الهائل في الثروة والذي تسبب بهجرة اقتصادية هائلة من الدول الأكثر فقرًا سعيًا وراء فرص عمل والتي غالبًا ما تكون منخفضة الأجر وترافقها ظروف سيئة، ويتمتع فيها صاحب العمل بالتزامات أقل بسبب سياسات السوق الحر الرأسمالي التي تعتبر الربح المادي مقدماً على الكرامة الإنسانية. وهي جشعة كذلك بسبب الطبيعة المادية للفكر الرأسمالي الذي يقدس تحقيق المنفعة المادية والمكاسب الاقتصادية باعتبارها الغاية الرئيسية للمجتمع والذي سيغذي حتمًا روح التجرد من الإنسانية ويغذي كذلك استغلال النساء والضعفاء. هذا بالإضافة إلى حقيقة الآلة الصناعية الرأسمالية التي تستغل المرأة من خلال الإعلانات والمواد الإباحية والترفيه وغيرها من أجل المنفعة، وهذا لا يحط من وضع المرأة فقط، بل كذلك يشجع الرأي القائل بأن استغلال المرأة من أجل المال هو وسيلة مقبولة. هذه هي العقلية نفسها التي يحملها المتاجرون والمشاركون في ممارسة الرق الحديث. وبناءً عليه، ستكون النساء الضعيفات في ظل الرأسمالية دائمًا ضحايا لمختلف أنواع الجشع الرأسمالي مرورًا بأصحاب الأعمال ووصولًا لشركات التوظيف، وليس هذا فقط، بل يشمل الجشع كذلك حكام بلاد العمال المهاجرين الذين لا يهتمون بهم حين يرسلونهم للخارج، وإنما جل اهتمامهم منصب على العوائد والتحويلات الاقتصادية المرتفعة.


وفي تباين واضح بين الرأسمالية النفعية والإسلام العظيم، فإن الإسلام عقيدة وفكراً يركز على منع الظلم والاستبداد بكل أشكاله، بما في ذلك كل أنواع الرق. ومبادئ الإسلام جاءت لمحاربة استعباد الناس، ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» [صحيح البخاري: رقم 430]


وكذلك أعطى الإسلام المرأة مكانة رفيعة لا يمكن أن توجد في كل المبادئ الأخرى، ويعتبرها عرضاً يجب أن يصان وأوجب الإنفاق عليها، ولم يعتبرها جزءًا من العمالة الرخيصة. ولن يتحقق منع الطغيان والاستبداد وحماية المرأة إلا في ظل نظام الإسلام بإقامة الخلافة التي تقوم على أساس تطبيق جميع أحكام الإسلام في الدولة والحياة والمجتمع. والخلافة هي وحدها القادرة على إيجاد حلول عملية وصحيحة لكافة المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها المرأة في جميع البلاد الإسلامية وفي جميع أنحاء العالم بما في ذلك النساء الإندونيسيات.



كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
فيكا كومارة
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار