April 11, 2014

خبر وتعليق إلغاء القانون الذي يجرم التمييز العنصري في أستراليا


الخبر:


قال المدعي العام الفيدرالي الأسترالي جورج براندس إن من حق الأستراليين أن يكونوا متعصبين في آرائهم، وأن يعبروا عن تلك الآراء بكل حرية، حتى وإن ضايقت البعض. ودافع السيناتور براندوس عن حرية التعبير، وخطط حكومته لتغيير قوانين التمييز العنصري، وأضاف: "في بلد حر، من حق الناس التفوه بأشياء يراها آخرون هجومية أو عدائية أو متعصبة". وكان توني أبوت رئيس وزراء أستراليا قد وعد خلال الحملة الانتخابية للائتلاف بحذف المادة "C18" من قانون التمييز العنصري، والتي تنص على تجريم أي ألفاظ علنية تحمل هجوما أو سبابا أو إهانة أو تخويفا، من شخص أو من مجموعة أشخاص. وعلق أبوت قائلا: "لا مكان بالطبع للعنصرية والتعصب، لكننا نريد أيضا أن تصبح أستراليا دولة يتمتع فيها السكان بحرية التعبير عن الرأي". وتابع: "وأحيانا، قد يحمل الخطاب الحر بعض الكلمات التي قد تزعج الآخرين، أو تسيء إليهم...".

التعليق:


اتسمت سياسة الدول الغربية تجاه سكانها المسلمين بثبات الهدف من جهة والتغيرات المثيرة والكثيرة في الوسائل والأساليب لتحقيق ذلك الهدف، سواء من حيث القوانين أو الممارسة العملية التي كانت تتخطى القوانين أحيانا كثيرة.


أما من حيث الهدف، فللوهلة الأولى بعد الحرب العالمية الأولى وبعيد الحرب العالمية الثانية، ظن الغرب أنه قادر على تحقيق انتصار استراتيجي على المهاجرين المسلمين بتذويبهم في المجتمعات الغربية، ذلك الذوبان الذي شبهه أحدهم بذوبان كأس خمر عندما تهرقه في نهر جارٍ.


الحسابات المادية البحتة التي جعلت الغرب مطمئنًا لتحقيق ذلك النصر، والتي تقول، إن مجموعات بشرية، ضعيفة، منهكة، جاهلة، خارجة للتو من هزيمة فكرية وسياسية وعسكرية، غير واثقة ومبهورة بالغرب المنتصر، تلك الجماعات لن تقوى على الصمود والتميز في مجتمعات غربية قوية، متقدمة، مبهرة.


قوة العقيدة الإسلامية والفكر الإسلامي وعمق تغلغل الإسلام في ثنايا نفوس المسلمين، جعل حسابات بيادر الغرب تتلاشى أمام حسابات حقول المسلمين، فذهبت أحلامهم أدراج الرياح.


فمنذ أواخر ستينات القرن الماضي بدأت آثار انتصار العقيدة الإسلامية والفكر الإسلامي تتجلى في استعادة ثقة تلك المجموعات بدينها وبنفسها وانعكس كل ذلك على سلوكها وبالذات على سلوك أجيالها الشابة والتي ولدت وترعرعت في الغرب، وللمفارقة فإنها الأجيال ذاتها التي راهن الغرب عليها، وذلك فضل الله.


لم يستسلم الغرب، فالهدف ثابت ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُ‌دُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾، فتبنى ما سمي بسياسات الدمج، معتمدا على فكرة كاذبة ومغالطة، مفادها أن المجتمعات الغربية هي مجتمعات متعددة الحضارات، متناسين أن المجتمعات الغربية هي مجتمعات رأسمالية من رأسها حتى أخمص قدميها.


وإمعانا في الخداع والمغالطة عملت الدول الغربية وعبر مجموعة من التشريعات والأعمال على إنجاح سياسة الدمج تلك، فكثر الحديث عن التسامح والحوار والتناغم، وسنت قوانين تجريم العنصرية، وهذا القانون الذي سيلغى في أستراليا الآن كان قد سن عام 1995 في ذلك السياق، ونشطت وزارات الهجرة والدمج، وقالوا للمسلمين إن تعدد الحضارات يتمثل في السماح بدور العبادة والذبح الحلال والمطاعم والألبسة الشرقية.


لقد بذلت السياسات الغربية مجهودا عظيما لإنتاج إسلام يتوافق مع منظومتهم العقائدية والفكرية والقيمية، يلغى فيه البعد المبدئي العقائدي المتميز والمتعالي على ما سواه، ويلغى الحرام والحلال كمقياس لأعمال المسلمين، ليحل مكانهما المصلحة والنفعية كما هي الحال في النظام الرأسمالي، ويتحول فيه مفهوم السعادة من نوال رضوان الله إلى تحقيق المتع والملذات المادية، وتلغى فيه مفاهيم الدولة والشريعة والأمة والولاء والبراء.


لقد شهدت هذه المرحلة ولا زالت كما هائلا من الكذب والنفاق والمغالطات، وبذلت أموال، وسخرت للأسف جمعيات وشخصيات إسلامية، إما لضعفها وانهزامها أو لعدم إدراكها حقيقة الصراع بين الإسلام والكفر أو لتحقيق مصالح ذاتية رخيصة لها، أو لخيانة سقط فيها البعض.


رغم الظاهر المخادع الذي قد يوحي بأن الغرب حقق في سياسة الدمج أكثر مما حققه في سياسة التذويب إلا أن الحقيقة هي أن الغرب قد خسر معركة القلوب والعقول، وأبت قلوب المسلمين أن تنعقد على غير الإسلام كما أبت عقولهم أن تسلم زمامها للفكر العلماني اللبرالي الغربي، بل تعدى الأمر مجرد إيمانها بالإسلام واعتزازها به إلى أبعد من ذلك بكثير عندما حملت أجيالها الشابة الدعوة الإسلامية إلى الشعوب الغربية واستطاعت بفضل الله أن تكسب الملايين للإسلام، مسطرة بذلك معجزة أخرى للإسلام.


سياسة التكشير عن الأنياب ومحاولة إدخال الرعب على المسلمين عبر إزالة القوانين التي قد توفر بعض الحماية للمستضعفين لم تبدأ اليوم، بل إن المتابع العادي يلحظها منذ سنوات، عبر سن الكثير من القوانين الجائرة التي تستهدف المسلمين تحت غطاء مكافحة الإرهاب والتطرف بل وعبر الممارسات التي تتخطى القوانين المكتوبة أحيانا.


إذا كان بعض الحاقدين أو قصيري النظر من صانعي السياسة في الغرب يظنون أنهم بإعطاء الإعلام واليمين العنصري الضوء الأخضر والغطاء القانوني للمزيد من استهداف المسلمين وإيذائهم والضغط عليهم، سيحققون ما فشلوا فيه عبر السياسات السابقة فهم جدا واهمون. وليعلموا أن المجتمعات لن تنعم بالأمن والطمأنينة إذا ما اضطهدت بعض مكوناتها، وإن أمن المجتمعات كل لا يتجزأ، ينعم به الجميع أو يفقده الجميع.


أما المسلمون، فإنهم وإن لحق بهم أذى ومهما عظم، فلن يصيبهم أحد بإذن الله في مقتل، ولن يتمكن أحد كائنا من كان أن يكسر إرادتهم أو يزعزع إيمانهم.


﴿فَاللَّـهُ خَيْرٌ‌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْ‌حَمُ الرَّ‌احِمِينَ﴾




كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس إسماعيل الوحواح - أبو أنس

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار