خبر وتعليق   إطمئنَّ يا عصيد، لن نترك ديننا لنتبع تُرَّهات دينك الجديد
May 06, 2013

خبر وتعليق إطمئنَّ يا عصيد، لن نترك ديننا لنتبع تُرَّهات دينك الجديد


الخبر:


انتقد أحمد عصيد في كلمة له منشورة على موقع اليوتيوب الطريقة التي تقدم بها رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المقررات الدراسية والتي هي رسالة تهديدية "أسلم تسلم"، قبل أن يضيف بأن الرسالة التي تدرس في المقررات الدراسية المغربية لتلاميذ في سن السادسة عشرة "هي في الحقيقة رسالة إرهابية" لأنها ترتبط بسياق كان "الدين فيه ينشر بالسيف والعنف" على حد تعبيره. واستنكر تدريسها على أنها من "القيم العليا للإسلام" وأنْ هكذا "النبي تكلم مع ملوك ذلك الزمان". وكان عصيد يتحدث في ندوة حقوقية نظمتها "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، على هامش انعقاد مؤتمرها العاشر الذي التأم ما بين 19 و21 أبريل بالرباط. وعزا عصيد في مداخلته، وجود مثل هذا التأويل في المقررات الدراسية إلى سيطرة إيديولوجية معينة على المنظومة التربوية المغربية.


التعليق:


إنه لمما يحز في القلوب ويبكي المقل دماً أن يتجرأ أمثال هذا العصيد على سيد الخلق، فيتفوه بمثل هذا الكلام، ويتهم تعاليم سيد البشرية بالإرهاب. ومما يحز في القلب أيضاً أنه لما قام يدفع عن نفسه التهمة، ويتبرأ مما قال (موقع هسبريس في 30/4/2013)، اعتذر بما هو أقبح من زلته، فقال، إن رسالة النبي (هكذا دون تعظيم) إذا وُضعت في سياق عصرها، فإنها لا تطرح أيَّ إشكال، لكن أن يقال نفس الكلام في زماننا هذا فإنه يعتبر إرهاباً، لأنه ينافي فكرة أن الإسلام دين التسامح والحوار والسلم، وأن أي اجتهاد شرعي يخالف منظومة حقوق الإنسان غير مقبول، وأنه ينبغي تشجيع العلماء السائرين في طريق التنوير والتجديد في الدين.


يقع هذا في دولة (الملك، أمير المومنين، حامي حمى الملة والدين) التي احتضنت مؤتمرا دوليا حول ازدراء الأديان بعد بث فيلم يتهجم على سيد الخلق عليه الصلاة والسلام بينما يهان رسول الله صلوات ربي عليه في عقر داره دون أن نرى أي استنكار، فماذا لو قيل ما قيل في حق من قال فيه الدستور (شخص الملك لا تنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام)؟ كما ويقع هذا في ولاية "حكومة الإسلاميين" التي نطق رئيسها على استحياء بصفته الحزبية في المؤتمر الوطني لشبيبة حزبه قائلا "إنه ليس من المعقول التعريض للرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه سيد الخلق.. ولا نقبل بهذا" دون أن يتبع قوله بالفعل فيرينا دليل عدم قبوله. بينما وجدنا وزيره في العدل مصطفى الرميد يسارع لتحريك مسطرة المتابعة في حق الشيخ النهاري لما ذكر الأثر "اقتلوا من لا غيرة له" في رده على الغزيوي الذي دعى للحرية الجنسية واعتبر ذلك تحريضا على القتل. فهل بلغ الحال بتمسك حكومة الإسلاميين بالكرسي ودَفْعِها عن نفسها لتهمة التشدد أن تسكت عن وصم دعوة ورسالة رسول الله بالإرهاب؟


أما عن اتهام عصيد لنبي الهدى عليه أفضل الصلاة والتسليم فنبشره وحِلْفه بقول العزيز الجبار: ((وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) وبقوله: ((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً)).


إن مشكلة عصيد وأضرابه ممن تربوا على موائد الغرب الفكرية، هي أنهم، وإن كانوا من بني جلدتنا ويتكلمون بلساننا، إلا أنهم يفكرون بعقلية غربية، وينظرون إلينا وإلى الأحكام الشرعية بنظارات غربية، فبدل أن يستشعروا عزة الإسلام وأهله في رسالة نبي الهدى إلى ملوك الأرض: "أسلم تسلم"، فيتيهوا فخراً بها، ويَحِنُّوا إلى ذلك العصر ويشتاقوا إليه، ويتمنوا لو أن الله يعيد الكرَّة إلينا من جديد فنعزَّ كما عزَّ أسلافنا، ونحمل رسالة الإسلام للعالمين رسالة هدى ونور كما حملوها، ونخاطب ملوك الأرض بمثل ما خاطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم هرقل عظيم الروم «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإنى أدعوك بدعوة الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم جميع الأريسيِين. (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)»، بدل ذلك تمتلئ قلوبهم رعباً من تلك الجملة لأنهم يُحسُّون أنها قاصمة لمبادئ الغرب الفكرية ودوله الاستعمارية، لذلك يعتبرونها إرهاباً يجب التبرؤ منه والتعتيم عليه لكي لا ينشأ من أبنائنا جيلٌ يحمل مثل هذه الفكرة ويعمل على إعادة إيجادها في الواقع.


أما نحن فإنا نُشهد الله أنا نحب هذه الجملة ونفخر بها، ونُدرِّسها لأولادنا، بل نرضعها لهم مع حليب أمهاتهم، فينشؤوا أعزاء بدينهم، فخورين بتاريخهم المضيء.


وأما عن تبَرُّئِه فنقول، لقد أعلن عصيد ما أبطنه العلمانيون وهو مقياس تقرير ما "يُقبل" وما "يُرفض" من الأحكام الشرعية، بل ومن يجب أن "يُشجَّع" من العلماء والفقهاء، ومن يجب أن يُمنع ويضطهد. فبدل أن يكون القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة والقواعد الأصولية المعتبرة هي الضابط لاستنباط الأحكام الشرعية، أصبحت منظومة حقوق الإنسان والفكر الغربي عموماً هي الحارس الذي يجب أن يوضع على الأحكام الشرعية، وما سايرهما مقبولٌ وما خالفهما مرفوض. وأصبح الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الموحى به من ((تشالز مالك وألكسندر بوغومولوف وبينغ تشنغ ورينيه كاسين وإليانور روزفلت وتشارلز ديوكس ووليام هودغسون وهيرنان سانتا كروز وجون هومفيري)) مُقَدَّماً على كلام رب العالمين الذي ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )) [فصلت: 42] ومُقَدَّماً على كلام سيد الخلق عليه الصلاة والسلام الذي قال الحق سبحانه في شأنه (( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)) [سورة النجم: 1-4]. يجب بحسب دين العلمانية أن يخضع الشرع والوحي لأهواء مفكري الغرب ومنظريه، وأن يكون فكر روسو وسارتر وأمثالهما سقفاً محفوظاً لما أنزله الله من فوق سبع سماوات، فالعلمانية والديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان والقيم الكونية... هي الدين الجديد الذي لا يجوز الخروج عنه ومن تجرأ على ذلك، فوصمة الإرهاب مع كل ما يتبعها من قمع وقتل وتشريد جاهزة. ومن اعترض على دعاة الدين الجديد!! فإرهابي محرض على القتل والتكفير هروباً من المنازلة الفكرية واستدعاءً لقانون الإرهاب.


لقد عد العلمانيون الدستور المغربي الجديد، وإنْ رفضه بعضهم، خطوةً متقدمةً ومكْسبًا في طريق بناء الدولة الديمقراطية الحداثية، وما ذلك إلا لتصديره الذي نص على احترام حقوق الإنسان الكونية وعدم قابليتها للتجزيء وعلى سمو الاتفاقيات الدولية. لهذا فإن "العصائد" ستزداد وسنشهد جرأة على عقائد المسلمين وعلى رفض أحكام الإسلام باسم حرية التعبير واحترام حقوق الإنسان. وما على المسلمين إلا أن يعوا على دينهم ويخوضوا غمار الصراع الفكري ليبطلوا زيف العلمانية ويسمعوا "عصائدها" أن لن نتبع ترّهاتكم.

ناصر الدين / المغرب

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار