December 31, 2013

خبر وتعليق كلمة مهمة إلى الإخوان وإلى الحكام في مصر


الخبر:


في 2013/12/26 قال المتحدث باسم وزارة الداخلية المصرية اللواء هاني عبد اللطيف أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية سيشمل الإعدام من يقود مسيرة لها حتى وإن كانت سيدة.. وأن من يشارك في أية مسيرة تابعة لها سيعاقب بالسجن خمس سنوات. وقال: "كل من يثبت انضمامه لتنظيم الإخوان وكل من يروج بالقول أو الكتابة لأفكارها وكذلك كل من حاز محررات أو مطبوعات أو تسجيلات خاصة بالتنظيم سيعاقب بالسجن أيضا مدة لا تزيد عن خمس سنوات". وقال: "إن كل من يتولى أي منصب قيادي في الجماعة أو يمدها بمعونات مالية أو معلومات سيعاقب بالأشغال الشاقة". وذلك بعد يوم من إعلان الحكومة المصرية قرارها بوضع جماعة الإخوان المسلمين على قائمة المنظمات الإرهابية.

التعليق:


نعلق على هذا الخبر من جانبين مهمَّيْن ونقدم كلمتين صادقتين للطرفين:


الجانب الأول: إن هذا التصريح وقرار الحكومة من قبله ليدل على حالة من التشنج والعصبية والتهور لدى سلطة الانقلاب في مصر، وأنها تتصرف بهستيرية كأنها فاقدة للوعي أو العقل. ويدل على أنها خائفة جدا من السقوط، فتستعجل الحلول المدمرة للبلد وتستخدم العنف والإرهاب بكل أنواعه، ويدل على أن الشعب ليس معها، وأنها سلطة نتيجة انقلاب وليست ثمرة ثورة، وإلا لما تصرفت كما تصرفت منذ قيامها بالانقلاب ضد فئة كبيرة من الشعب، ويدل على أنه ليس لديها أي فكر تستطيع أن تناقش الناس على أساسه أو تقنعهم به، فتلجأ إلى الإجراءات والقرارات والقوانين التي تتخذها الأنظمة الاستبدادية، فلا تعرف كيف تحتوي الخصوم وتعالج الأمور، فتلجأ إلى تلفيق التهم والأكاذيب على الخصوم، وتعلن حظرهم ومنعهم من العمل السياسي، مما يدفع الناس إلى ترك العمل السياسي واللجوء إلى مواجهة السلطة بالقوة واستعمال العنف، مما يجر البلاد إلى الخراب والدمار، وهي لا تعرف معنى رعاية شؤون الناس فهي فاشلة، وتتصرف بهمجية ووحشية وبتعسف وظلم. فهكذا سلطة لن تدوم وسوف تسقط مهما طال الزمن.


الجانب الثاني: إن ذلك يدل على أن الإخوان المسلمين لديهم القدرة على التحرك الشعبي ولديهم قوة شعبية معينة قادرة على الاستمرار رغم البطش والقتل والسجن الذي تعرضوا له، فهم مستمرون في تحركهم الشعبي منذ ستة أشهر، وقد قتل منهم المئات إن لم يكن الآلاف وسجن منهم الألوف، ومع ذلك فما زالوا مستمرين وهذه نقطة إيجابية. ولكن لوحظ على الإخوان أنهم لم يستطيعوا أن يقودوا الشعب المصري كله أو جله أو أكثريته أو نصفه وإنما اعتمدوا على المنتسبين لهم والمناصرين والمؤيدين لهم حيث تجري التخمينات وهذه نقطة سلبية. والسبب أنهم لم يطرحوا فكرا أو شعارا يجمع الناس وراءهم أو يوحدهم بجانبهم، فحصروا عملهم في المطالبة بإعادة الشرعية لرئيس فشل في معالجة المشاكل وفي الإمساك بزمام الأمور، وترك الوسط السياسي القديم وكل القوى الفاسدة التي كانت على عهد الساقط حسني مبارك على ما هي، ولم يحاسبها على فسادها، ولم يعمل على تطهير المجتمع منها أو عزلها عنه، وكذلك أسند ظهره لأمريكا وتعهد لها ولكيان يهود بالمحافظة على معاهدة كامب ديفيد وغيرها من المعاهدات التي تبقي مصر تحت النفوذ الأمريكي وحامية لكيان يهود، ولم يعمل على تطبيق الإسلام فنكث بميثاق الله.

ودستور 2012 الذي وضعته جماعته مع غيرها من الجماعات هو نسخة منقحة عن دستور أنور السادات لعام 1971، وهو الدستور الذي عمل به النظام السابق الذي أسقطه الشعب، ولم يختلف كثيرا عن دستور الانقلابيين الجديد الذي فرغوا منه للتو، لأن المواد السيادية التي تحدد ماهية الدولة وأساسها ونظام الحكم فيها وشكله وأجهزته والسياسات الداخلية والخارجية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والحربية فكلها في الدساتير الثلاثة واحدة تستند في الأساس إلى الدستور الفرنسي وإلى الأفكار الغربية الغريبة عن الأمة، فلا تستند بأي حال إلى العقيدة الإسلامية ولا تنبع منها. فالدولة في مصر سواء على عهد الملكية التي سقطت أو على عهد الجمهورية التي على وشك السقوط لا تشبه الدولة التي أقامها نبي الأمة ورسولها وقائدها وأول رئيس لها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسار عليها الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم، ومنهم الخليفة الثاني عمر فاتح مصر الذي طبق الإسلام عليها من أول يوم وأهلها لم يسلموا بعد، فأقام العدل فيها وأزال الظلم، ولذلك دخل أهلها في دين الله أفواجا.


الكلمة الأولى: إذا راجع الإخوان أنفسهم وتخلوا عن نهج التنازل وعن الطريقة التي اتبعوها ورجعوا إلى طريقة الإسلام طريقة رسول الله في تطبيق الإسلام وهي العمل على تطبيق الإسلام كاملا من أول يوم متبنين دستورا واضحا مأخوذة كافة مواده من كتاب الله وسنة رسوله فإن الله سيؤيدهم بنصره وبالمؤمنين. وهذا الأمر أصبح متيسرا لهم وهو بين أيديهم، حيث بإمكانهم أن يرجعوا إلى حزب التحرير ويستعينوا به، فلا يغرنهم عددهم ووسائل الإعلام المضللة والفتاوى المخالفة للأدلة الشرعية الواضحة، ولا يقولوا نحن الحركة الأولى والأقدم والأكثر عددا، فكل ذلك لا قيمة له إن لم تؤسس الجماعة على فكر عميق ومبلور، موضحة كافة تفاصيله، ومنها الدستور الذي ستطبقه، وسائرة على طريقة واضحة ومستقيمة نابعة من الفكر، وأن تتحلى بالوعي السياسي والوعي الفكري وبالثبات على المبدأ.


الكلمة الثانية: هي للقائمين على الانقلاب والمؤيدين له عليهم أن يعودوا إلى رشدهم وألا يتمادوا في غيهم ونفث أحقادهم وغلهم في إخوانهم المسلمين فيستبيحوا دماءهم وأموالهم، ويتعسفوا في معاملتهم وفي معاقبتهم، وأن يعودوا إلى ربهم العادل، ويتذكروا أنه محاسبهم، وأنهم لن يعجزوه في الأرض، وعليهم أن يتذكروا مصير الطغاة من فرعون في غابر الزمان إلى حسني مبارك في حاضر الزمان، وأن يرجعوا إلى دينهم فيتمسكوا به، وأن يتخلوا عن دستورهم، فإنه لن ينفعهم، ولن يتمكنوا من معالجة مشاكل بلادهم به، ولن يتقدموا قيد أنملة، لأنه دستور مجرب جرى عليه وبه الفشل، بل عليهم أن يعملوا على تطبيق الدستور الإسلامي وقد بينه لهم حزب التحرير فليستعينوا به وليسلموه زمام الأمور، لأنه هو الأقدر على تطبيقه وإحسان تطبيقه والنهوض بالبلاد وإقامة العدل وإزالة الظلم، فتصبح مصر وباقي أمصار الإسلام في أمن وأمان وفي عز ورخاء.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أسعد منصور

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار