June 13, 2014

خبر وتعليق كذبة دعاة المساواة بين الجنسين: "خذي كل شيء، أيتها المرأة" تُنقَض عُراها، واحدةً بعد أخرى! (مترجم)

الخبر:


نشر موقع فوربس الإخباري في 8 حزيران/ يونيو 2014 مقالاً تحت عنوان "لا يمكنكن أخذ كل شيء: 40% من النساء المهنيات "يتعلّقن بخيط". وقد تناول فيه كاتبه دراسة جديدة تصدر هذا الأسبوع في الولايات المتحدة، أجراها الخبير الاستراتيجي في شؤون المهن المؤلف ميغان دالا- كامينا، صاحب كتاب "لنكن واقعيين بشأن أخذ المرأة كل شيء"، الذي بحث فيه حلم دعاة المساواة بين الجنسين بقدرة النساء على الجمع بين وظيفةٍ ناجحة تحلق في الأعالي وحياةٍ أسرية مستقرة وناجحة في الوقت ذاته. وكانت الدراسة عبارة عن مسحٍ شمل 1000 امرأة أميركية محترفة، حيث سُئلن عن مدى سعادتهن. وتبين أن غالبيتهن يفتقدن الرضا عن حياتهن. فقد أعربت 70% منهن عن اعتقادهن بأن فكرة تحقيق النجاح في المنزل ومكان العمل معاً ما هي إلا خرافة، وقلن أنهن يعشن حياة صراع مرير. وأفادت 40% أنهن "يتعلقن بخيط"، بينما قالت 16% فحسب أنهن راضيات جداً عن حياتهن بصورة عامة. ثم قال المؤلف عن النساء اللائي شملهن المسح: "قلن أنهن يشعرن كما لو كن يركبن جهازاً ثابتاً لرياضة المشي، ويركضن بسرعة كبيرة حتى إنهن يخشين من الالتفات يمنة أو يسرة، فلا يبقى أمامهن سوى مواصلة الركض، ومواصلة الركض فقط".



التعليق:


كانت آن ماري سلوتر، أول امرأة تشغل منصب مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية، وهي أم لولدين، قد أعربت في 2012 عن آراء مماثلة أيضاً. فقد كتبت "وجهة نظر" في صحيفةThe Atlantic بعنوان "لماذا لا تقدر النساء على أخذ كل شيء، بالرغم من كل المحاولات". حيث وصفت فيها شعورها العميق بالذنب لقصر الوقت الذي قضته مع طفليها والتوتر الشديد الذي يهيمن على علاقتها معهما جرّاء ذلك. ما أدى بها إلى ترك وظيفتها الكبيرة كي تتمكن من قضاء وقت أطول مع أسرتها. كما تحدثت عن التحول الذي أصاب معتقدات المساواة بين الجنسين التي بنت على أساسها حياتها المهنية، فقالت بأن اعتقاد النساء بقدرتهن على "أخذ كل شيء" ما هو إلا نفضٌ للغبار عن الحقيقة. إذ كتبت: "لقد حان الوقت للتوقف عن خداع أنفسنا. وعلينا التوقف عن القبول بأفضليات الذكور على أنها شيء افتراضي".


كذلك هنا، في المملكة المتحدة، احتلت الشخصية التلفزيونية المرموقة، الداعية المتحمسة المجاهرة بالمساواة بين الجنسين، كيرستي أولسوب، مكاناً بارزاً في العناوين الرئيسية للأخبار الأسبوع الماضي بآرائها التي أدلت بها خلال مقابلة مع صحيفة التلغراف. فقد نصحت الشابات بالاعتراف بتناقص خصوبة المرأة كلما كبرت في السن. ولذلك يتعين عليهن العودة إلى وضع البدء في تكوين أسرة قبل السعي للحصول على وظيفة، كي يتجنبن انكسار القلب نتيجة فقدانهن القدرة على الإخصاب والحمل في وقت متأخر من حياتهن. فقد قالت كيرستي: "في الوقت الراهن، يوجد أمام النساء 15 عاماً للدراسة في الجامعة، والبدء في مشوار تأمين الوظيفة، ومحاولة شراء منزل، وإنجاب طفل. وهذا أمرٌ أكثر بكثير مما يمكنك أن تطلب من أحدٍ القيام به." وأضافت بأن نصيحتها هذه تستند إلى الساعة البيولوجية للنساء، وأنه إن كان في المقدور تأخير وقت بدء العمل في وظيفة، بل وحتى وقت الدراسة في الجامعة، فإن فترة القدرة على الإخصاب والإنجاب لا يمكن لأحد تغييرها أو تعديلها. ولقد أثارت هذه الآراء موجة من الانتقادات القاسية والهجمات العنيفة من قبل دعاة المساواة بين الجنسين الذين وصموها "بكارهة النساء" واتهموها بالتراجع في حربها من أجل تحرير المرأة. فردّت عليهم بتغريدة قالت فيها: "إن الطبيعة لا تدعو إلى المساواة بين الجنسين".


إن مشكلة هؤلاء الدعاة تتمثل في أنهم دأبوا طوال تاريخهم على التنكر لعلم الأحياء، مع ما جرّه ذلك من تبعات وآثار مدمرة. وكان مكمن دائهم الأكبر عدم التوقف عند المطالبة بحق النساء في التمتع بالقدر ذاته وحقوق المواطنة كما الرجال، بل قياس مدى نجاحهن على أساس تمتعهن بكافة حقوق الرجال وتقمصهن لجميع أدوارهم وواجباتهم. وهو ما أدى بالنساء إلى استبدال شكل من أشكال الظلم بشكل آخر، لأنه قادهن إلى إقصاء طبيعتهن كمنجباتٍ للأطفال باعتبارها ليست مهمة، والتوقع منهن أن يصبحن مساويات للرجال في مكان العمل مع التعامي عن الحقيقة الصارخة بأنهن سيبقين دوماً غير مساويات لهم من ناحية بيولوجية. وهكذا، دخلت المرأة معركة لا يمكن لها الفوز فيها مع الطبيعة، وذلك تحت شعار محاولة اللحاق بالرجل، ما أدى بها في أحيان كثيرة إلى التضحية بدافع الأمومة الطبيعي لديها، في سبيل انتعالها حذاء الهوية المصطنعة الخيالية التي ابتدعها دعاة المساواة بين الجنسين المخرّفون ممن يقولون "خذي كل شيء أيتها المرأة" في الماضي والحاضر. فكانت النتيجة أنها، بسبب احتضانها لهذه الهوية، أحلت مكان شكل من أشكال الحط من قيمة النساء اللائي كن يعاملن في المجتمعات الغربية على أنهن أقل قدراً من الرجال من الناحية العقلية والروحية والاجتماعية، شكلاً آخر، ليس غير. وذلك أن المرأة بقياسها لنجاحها على مسطرة أدائها للأدوار التقليدية للرجال، وبوجه خاص دورهم كسُعاة لكسب الرزق، أزالت من حياتها حقيقة ومغزى الشيء الأهم الذي يميز المرأة ويجعلها محظوظة أكثر من الرجل، ألا وهو القدرة على الحمل بأجيال المستقبل وإنجابهم وتربيتهم. فقد بات ينظر إلى هذه النعمة الكبرى التي خُصّت بها المرأة على أنها عقبة تحول دون تأمين وظيفة ناجحة والمساعدة في الإنتاجية الاقتصادية لقطاع الأعمال وللأمم، لا على أنها خاصية حيوية للبشرية تجب رعايتها وتقديرها وحمايتها ورفع شأنها في المجتمعات. كما أصبح التحرير هو التحرر من الأمومة. فكان من آثار ذلك ما هو واقع من توتر وشعور بالذنب والحسرة والأسى وافتقاد الرضا عن الحياة ككل. ومن السمات الأصيلة الأخرى للدعوة للمساواة بين الجنسين ذلك الخلط والتخبط المتصل بشأن أدوار وأفضليات الرجال والنساء. وهو ما ينعكس في الخلافات التي لا تنتهي بين هؤلاء الدعاة حول هذه المسألة، وذلك إلى جانب الآراء التي لا تقرّ على حال بشأن مقومات تحرير المرأة. وهو الأمر الذي يدعو إلى طرح السؤال الكبير: ما دامت الحال كذلك، فلماذا إذن كل هذا الإصرار والعناد من قبل الحكومات الغربية ومنظمات الدعوة للمساواة بين الجنسين على محاولة تسويق أفكار المساواة بين الجنسين ومُثُلها، ومعها هذا النموذج الغربي الفاسد البائس "لتحرير المرأة"، إلى العالم الإسلامي؟


في خضم هذا الجدل والنقاش، كتب أحد الصحفيين: "ليس ثمة من نموذج معايرة لقياس نجاح الأنثى في أن تكون أنثى". لكن الإسلام يرفض وينقض هذا القول جملة وتفصيلا. فلقد حدد الإسلام عبر القرون الدور الأساسي والرئيسي للنساء بأنهن: رباتُ منازل وأمهاتٌ ومربياتٌ للنشء. وهو دور يلزم المجتمع الإسلامي ويلتزم بإعطائه ما يستحق من قدر كبير وبإحاطته بحمايته. كما أنه لا يحرم المرأة بحال من حق التعليم أو العمل أو التعبير عن رأيها السياسي كما يزعم بعض العلمانيين. ويضعها في مكانة تتيح لها القدرة على احتضان هوية "خذي كل شيء أيتها المرأة" بحق وحقيقة، هوية تنيط بالمرأة دوراً يمكّنها من قضاء الوقت الكافي مع أطفالها، ويزيل الخلط والتضارب بشأن أولوياتها، ويكمّل ما تفرضه وتحتاج إليه طبيعتها، بدلاً من أن يناقضها. وذلك جنباً إلى جنب مع تمتعها بكافة حقوق المواطنة. أوليس هذا هو المعنى الحقيقي للقول "خذي كل شيء أيتها المرأة"؟!


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الدكتورة نسرين نواز
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار