December 15, 2013

خبر وتعليق كيف يكون التغيير مثمراً


الخبر:


أصدر المشير عمر البشير رئيس السودان مراسيم جمهورية قضت بتعيين بكري حسن صالح نائباً أول لرئيس الجمهورية، وحسبو محمد عبد الرحمن نائبا للرئيس، وإبراهيم غندور مساعداً للرئيس، بالإضافة إلى تعيين الوزراء ووزراء الدولة، على أن يؤدي أعضاء الحكومة الجدد القسم في الثانية عشرة من ظهر اليوم "الاثنين" بالقصر الجمهوري. وتضم الحكومة (60) وزيرا. [2013/12/9م صحيفة اليوم التالي]

التعليق:


أخيراً وبعد طول انتظار وترقب عُرضت مسرحية التغيير الوزاري في حكومة السودان بالرغم من أن هذه المسرحية تكاد تتكرر سنوياً. ففي نهاية العام 2011م كان هنالك تغيير، وكذلك العام 2012م، إلا أن الجديد في هذا العام هو عنصر التشويق الذي أضيف إليها وذلك لحجم التغيير وأنه سوف يطال كبار الرؤوس، ولطول الانتظار الذي استمر الحديث عنه لأكثر من شهر. ويعتبر مخرج هذه المسرحية قد حقق قدراً كبيراً من النجاح في تشويق الناس بطول الانتظار، ويقال أن طول الانتظار كان بسبب عسر المخاض وقوة التجاذب بين الأطراف المتصارعة داخل المؤتمر الوطني والذي طالما كثر نفيه ولكنه يرشح من حين لآخر في تصريحات المسؤولين.


وما إن رأى هذا المولود النور حتى تناولته الألسن والأقلام بالتشريح والتحليل والتعليق عن أسبابه ومبتغاه. ففي الوقت الذي يرى رجال الدولة أنه تغيير كفاءات بأخرى أعلى يرى آخرون ومن داخل الحكومة أن الأمر لا يعدو أن يكون أمراً روتيناً القصد منه ضخ دماء جديدة تكون أكثر نشاطاً وحيوية. إلا أن بعض المنتسبين للمؤتمر الوطني والمختلفين معه يرون أن المسألة هي صراع داخلي القصد منها محاولة استرضاء قطاع كبير من الساخطين من قطاعات الشباب واحتواء صراع الأجيال داخل المؤتمر الوطني. أما الصنف الآخر من الخارجين عن المؤتمر الوطني فالمسألة عندهم إنما هي لإبعاد المنافسين الكبار على انتخابات الرئاسة القادمة. أما قطاع كبير من المعارضة فزاوية النظر عندهم عدم جدية الحكومة في إشراكهم في السلطة وتفردها بها، مما يمكنها من الفوز في الانتخابات القادمة والاستمرار بالتفرد بالحكم.


أما القطاع الكبير من الناس فينظرون للمسألة بأنها عبارة عن مسرحية سيئة السيناريو ضعيفة الإخراج قصد منها احتواء التذمر وتنفيس الاحتقان من جراء الأوضاع المتردية اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، ولهم على ذلك عدة شواهد آخرها البرنامج التلفزيوني الذي تقدمه قناة أم درمان الفضائية والذي سمح له بمساحة واسعة للنقد. (بينما توقف بعض الصحف عن الإصدار بشكل مستمر) ولكنه نقدٌ محسوب (أي ضرب تحت الركب)، ويأخذون على هذا البرنامج كشاهد على صدق رؤيتهم إشادته ببعض الأشخاص الذين تم تعيينهم في الوزارة الجديدة.


إذا صحت أي من هذه التحليلات أم لم تصح جميعها فما علاقة كل ذلك بمشكلة أهل السودان؛ فالمواطن في السودان يعيش أزمة اقتصادية طاحنة تسببت في معاناة الناس في أكلهم وشربهم ومعاشهم وبوجود جيوش جرارة من العاطلين عن العمل وبهجرة للآلاف من الكفاءات، وهذه الهجرة لو فتح بابها للجميع لا أحسب أن الحكومة ستجد من تحكمهم، وقد فشلت كل المعالجات التي طرحت وعلى مدار الفترة الماضية وآخرها المعالجة الأخيرة بما سمي برفع الدعم عن المحروقات والتي أقر وزير المالية المُقال بفشلها في خفض التضخم والذي يقدر بـ 42% حسب الأوساط الرسمية وربما بين 60 - 80% حسب بعض الخبراء الاقتصاديين، وأفق الحلول صار مسدوداً أمام الكثيرين.


أما في المجال الأمني فحدث ولا حرج؛ فالدولة تتآكل من أطرافها وحتى رجال الإنقاذ يتحدثون عن مؤامرة لتمزيق السودان، وصار القتال القبلي هو سمة الحياة السائدة في كل الولايات الغربية. أما في المجال السياسي فأظهر دليل على عدم الاستقرار السياسي أنه منذ خروج المستعمر من السودان وحتى الآن لا يوجد دستور دائم لحكم البلاد، أما الدساتير المؤقتة التي يضعها الحكام فهي تحت أقدامهم متى ما ظهر تعارض بينها وبين مصالحهم. وكذلك النظام الاجتماعي وسياسة الدولة الداخلية وسياسة التعليم وغيرها، فالبلد في حالة شبه انهيار وهو إنما يسير نحو الهاوية، إذن ما هو التغيير الذي يؤدي إلى الخروج من هذه الهوة التي وقعنا فيها بما كسبت أيدينا؟ إن الدولة تريد بهذا الأمر أن توهم الناس بأنها تعمل من أجل تغيير أوضاع الناس إلى ما هو أفضل وهذا غير صحيح؛ فتغيير الأشخاص لا يؤدي إلى تغيّر الواقع طالما النظام الذي أدى إلى هذه الأوضاع باقٍ. إن التغير لا بد أن يتعلق بالأفكار التي على أساسها تتم المعالجات، ومن هنا كان لا بد أن تقوم الدولة على فكرة وهذا ما يجعل الدول ثابتة ومستقرة.


فإذا قامت الدولة على فكرة بغض النظر عن هذه الفكرة فإنها تحقق لها نوعاً من الاستقرار، أما إذا كانت هذه الفكرة مبنية على العقيدة فإن الدولة تكون مستقرة وثابتة. فإذا كانت هذه العقيدة عقيدة صحيحة فإنها تحقق فوق الاستقرار والثبات ديمومة أطول. وإذا نظرنا إلى الدول التي قامت في العالم نجد أن ألمانيا النازية قد حققت نوع من الاستقرار مع أنها قائمة على فكرة عنصرية، أما الاتحاد السوفيتي فإنه قد حقق استقرارا أكثر من ألمانيا ولأنه قائم على عقيدة تتصادم من غرائز الإنسان لم يدم طويلا. أما المبدأ الرأسمالي فإنه قائم على عقيدة فصل الدين عن السياسة، وإن إرهاصات زواله من كثرة الأزمات التي يمر بها صارت ظاهرة للعيان. أما الدولة الإسلامية والتي عاشت لأكثر من ثلاثة عشر قرناً وبالرغم ممّا اعتراها من حالات الضعف فقد كانت الأطول عمرا.


فالإجابة على السؤال هي أننا نريد تغييراً يحقق الاستقرار والنهضة وهذا لا يمكن أن نصل إليه بتغيير بعض أو جل الوزراء، ولا يمكن أن نحصل عليه بإدخال المعارضة أو حرمانها من المشاركة، ولكن بتغيير فكري جذري يلقي بهذا النظام الفاسد بعيداً ويأتي بنظام صالح يطمئن له الجميع ويعتقدون بصحته وصلاحه، لمثل هذا فليعمل العاملون.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس حسب الله النور سليمان

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار