April 23, 2014

خبر وتعليق لم يتّعِظ ْحُكامُ العراق بما حَلّ قريباً بإخوانهم الطـّواغِيت


الخبر:


ذكرت وكالات الأنباء - الجمعة 18 نيسان2014: أن "ميليشياتٍ إجراميةً مُسلحةً هاجمت قرية (المَخِيْسَة) في محافظة دِيالى في وقت مبكر من صباح يوم الجمعة، في محاولة منها لتكرار سيناريو (بُهْرُز) وتمكنت من إحراق عدد من الدور في أطراف القرية وتفجير أحد المساجد"، وأن "أبناء العشائر من أهالي المخيسة استطاعوا ردهم، ما أسفر عن مقتل (10) من عناصر الميلشيات وحَرقِ عددٍ من عجلاتهم"، لكن تلك العصابات عاودت هجومها للمرة الثالثة لحين كتابة هذه السطور صباح اليوم السبت 19 نيسان 2014وَسَط مناشدات أهل القرية للسلطات الأمنية بحمايتهم والحفاظ على ممتلكاتهم.


وأما عن سيناريو (بُهْرُز): قرية أخرى في نفس المحافظة، فقد شهدت هي الأخرى مجزرة بشعة قبل أسبوعين ُقتِل خلالها عدد كبير من شبابها أُخرِجُوا من منازلهم وأُعدِموا رمياً بالرصاص بأيدي مليشيات مسلحة وقاموا بإحراق عدة منازل وتفجير (4) مساجد، ولا يقف الأمر عند هذا الحد فقد شَهدَت بلداتٌ وقرًى عديدة في نفس المحافظة أمثال تلك الهجمات، وتهجيراً قسرياً لبعض العوائل.

التعليق:


كُنا فيما مضى نسمع أخباراً عن مجازر بشعة تحدث بين حين وآخر في رواندا بين قبائل تـُعرَفُ (بالتوتسي) و(الهوتو) الأفريقية تـُستعمَلُ فيها أنواع الأسلحة ومنها السكاكين و(البلطات) لقتل الضحايا وتقطيعهم، ورغم فظاعة الأمر كنا نجد تفسيراً أو سبباً لذلك من قـَبـِيل تخلف تلك القبائل وبدائيتها، أو انعدام الدِّين الحق الذي يضبط سلوكهم... لكن أن يَحدُث أمثالُها في بلد مسلم كالعراق لا يزال أهله يحملون العقيدة الإسلامية ويمارسون العبادات والشعائر المنبثقة عنها، فأمرٌ خطيرٌ، وخطيرٌ جداً. إذ كيف ينحدر المسلمون إلى درك سحيق كهذا، وهم يعلمون حُرمة الدماء البريئة؟! ونرى أن المَرْء حين يفكر بأسباب ذلك لا يُسَلـّمُ عَقلـُهُ أن الدافع وراء تلك الجرائم هو محضُ الكراهية أو الخِلافُ المذهبيّ، فقد عاش المسلمون دهورا في ظل دولة الإسلام لم تمنعهم خلافاتهم الفقهية من التواصل والتعايش بسلام.


ونحن نرى - والله أعلم - أن قيام تلك العصابات بجرائمها ينطوي على أسبابٍ خطيرةٍ، لعل أبرزها سببان بحكم الظرف الذي يمر به العراق:


الأول: هو الضغط الشديد على أهالي تلك القرى لحملهم على الهجرة من مواطنهم التي درجوا فيها بهدف إحداث تغييرات ديموغرافية (سكانية) طائفية، لتـَخلـُصَ تلك البقاعُ لأهل مذهب يُوافِق ما للحكومة القائمة لا تلبث أن تزحف عشائرُهم فتملأ َالفراغ الحاصل، فتصبح منطقة مغلقة للسكان الجدد.. والأدلة على ذلك متواترة ويعرفها العراقيون، تجري فصولها في بغداد العاصمة قبل غيرها..! بل إن الأمر تجاوز ذلك بأن يُنادَى بمكبّرات الصوت أن على طائفة معينة تركَ مساكنها بسرعة أو مواجهة الموت. وقد حصل قريباً ويحصل في مناطق مميزة، نـُفذ القتلُ فعلاً ببعض أهلها، فحملوا أنفسهم وتركوا بلداتهم مسرعين للإبقاء على أرواحهم، وهذا المَكرُ جارٍ بدأب ودون فتور على مرأى ومسمع من السلطات الأمنية دون أدنى نكير ولو بمجرد الكلام فحسب. وهذا الأمر يحتمل أحد سببين: فإما بأمر مباشر من جهات حكومية بدليل صمتها، وإما بأوامر إيرانية لأشخاص تم تدريبهم هناك لا تملك الحكومة منعهم، وكل ذلك بإشراف المحتل الأمريكي الكافر الذي يريد إشعال البلد وجَرّ أهلهِ لحرب طائفية لا تـُبقِي ولا تذر، كالذي يحصل من سنين في الشام المباركة خدمةً ليهود خاصة ًوكفار الغرب عامةً، والخاسر فيها المسلمون ولا شك، وصدق الله العظيم إذا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.


الثاني: أن تلك العصاباتِ المسلحة تبعث برسائل يعرفها القاصي والداني لأهالي تلك المناطق تخلق الرعب في نفوسهم للهرب من منازلهم أو ملازمتها - إن أمنوا الموت - لمنعهم من المشاركة بالانتخابات التي ستجري آخر نيسان/أبريل الجاري، وهكذا كل المحافظات التي انتفضت كالأنبار، وصلاح الدين، وكركوك، والموصل حيث تجري فيها فصول الموت على مدار الساعة بالإرهاب والعبوات الناسفة والتفجيرات والحرائق والاعتقالات الكيدية... وكل ذلك من أجل أن تخلو الساحة لحزب رئيس الوزراء المالكي ليفوز بولاية ثالثة - لا متعه الله بها - ولو على أشلاء الناس وجراحاتهم غيرَ آبهٍ لعواقب الدنيا والآخرة، فنراه يقتحم النار ويتعدى حدود الله عز وجل من أجل (جناح البعوضة) بل أقلَّ منها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ وهنا كذلك نرى إسناداً منقطع النظير مادياً ومعنوياً من وَلِيّ نعمته أمريكا الفاجرة رغم فظاعة ما يحصل. فلـْيتخيّرْ هو وأزلامُه الذين نـُزِعَت الرحمة من قلوبهم ففاقوا وحوش الغاب شراسة ًوخِسّة أيَّ خِزيٍٍ وعارٍ في أصناف عذاب الله الجبار المنتقم ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ، ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا، وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.


والحق، أن العراق وكذا بلاد المسلمين لن يَخلـُصُوا من أزماتهم المُستعصية وآلامِهم وُذلِهم ما دام حكم الكفر قائما على مبدأ الديمقراطية الرأسمالية العفنة، وما دام حكم الله تعالى غائبا بغياب طريقته المُثلى والوحيدة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة المباركة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، تلك الدولة المباركة التي بدت بشائرها واضحة قريبة بإذن الله تبارك وتعالى حتى بات الغرب والشرق يداً واحدة ضد قيامها وضد تلك الصحوة العارمة التي لن تحُطَ رحالها إلا في مَرْسَى حكم شرع الله تعالى ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ  بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أبو زيد
المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية العراق

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار