خبر وتعليق   لماذا أصبحت أفغانستان ملعباً لروسيا والولايات المتحدة
April 14, 2013

خبر وتعليق لماذا أصبحت أفغانستان ملعباً لروسيا والولايات المتحدة


الخبر:


في 6 نيسان/أبريل، أعرب بيان صحفي لوزارة الخارجية الصينية أن دبلوماسيين صينيين وباكستانيين وروس، عقدوا الأسبوع الماضي اجتماعا في بكين، ناقشوا خلاله الوضع في أفغانستان، وأكدوا فيه على الدور الفعال والنشط لمنظمة شانغهاي للتعاون في إعادة إعمار أفغانستان. ونقلت مجلة السياسة الخارجية قبل هذا الاجتماع، في شهر نيسان/أبريل، عن المسؤولين الروس القول بأن موسكو تريد بعد عام 2014 بناء عدد من قواعد عسكرية في أفغانستان. الغرض من هذه القواعد ستكون حماية الجهود الروسية للإعمار وللحفاظ على مصالحها. ومع ذلك، فإن روسيا ترفض حتى الآن وجودها العسكري في أفغانستان. إضافة إلى ذلك، قال رئيس وكالة مكافحة المخدرات الروسي، فيكتور إيفانوفو، في الرابع من نيسان/أبريل أنه نظرا لوجود منظمة حلف شمال الأطلسي في أفغانستان فإن زراعة الخشخاش زادت عن أكثر من 40 في المائة، مما يسبب أضرارا بالغة ليس فقط لأفغانستان لكن لروسيا أيضا.



التعليق:


تعتبر أفغانستان، جيو-سياسيا، قلب آسيا، ولهذا السبب فقد كانت دائماً ساحة معركة بين القوى العظمى في العالم. حتى في الماضي القريب فقد كانت ساحة معركة بين روسيا وبريطانيا العظمى، ثم جاء الولايات المتحدة واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. ومع ذلك، فمن الحقائق الثابتة أن كل من جاء إلى أفغانستان وحاول احتلالها، قد هزم بشدة؛ ولذلك، اشتهرت أفغانستان أيضا بأنها "مقبرة الإمبراطوريات".


في عام 1991 وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي، بدأت الولايات المتحدة إضفاء الطابع الديمقراطي والغربي على الدول التي تحررت من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، في وقت كانت فيه روسيا قد تضررت بشدة وكانت تعاني من أزمات شديدة، لدرجة أنها لم تكن تتمكن من التصدي للفوضى الداخلية. لكنها تمكنت في عام 1999، عندما أصبح بوتين رئيسا لروسيا، من وضع خطة استراتيجية طويلة الأجل، ومرة أخرى تمكين روسيا للوقوف على قدميها وجعل روسيا لاعبا فعالاً في السياسة الإقليمية والعالمية. ومع ذلك، فبعد أحداث 09/11 مباشرة استطاعت الولايات المتحدة تشكيل الرأي العام العالمي لصالح شن حرب صليبية أخرى ضد "الأمة الإسلامية"، فغزت أفغانستان في عام 2001 والعراق في عام 2003، باﻻشتراك مع قوات منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو).


أعطى هذا الوضع فرصة ذهبية لروسيا لتطوير أوضاعها الداخلية والخارجية فضلا عن التركيز على أهدافها في السياسة الخارجية والاقتصاد. طوال سنوات الحرب الاثنتي عشرة الطويلة في أفغانستان، اعتمدت روسيا دائماً السياسة الرامية إلى إبقاء قوات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي مشغولة في قضايا المخدرات و 'الحرب ضد الإرهاب'. أبطلت روسيا دائماً مساعي الولايات المتحدة في التفاوض مع الجماعات المسلحة، وقد وقفت دائماً ضد أي اتفاق سلام من هذا القبيل، في مجلس الأمن الدولي.


من ناحية أخرى، تسعى قوات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي جاهدة إلى وقف إعادة "الخلافة الإسلامية"، وتكافح من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية، وطرق نقلها، من أجل السيطرة على أوراسيا، وتطويق روسيا والصين.


وعلاوة على ذلك، تحاول المجموعات الشيوعية القديمة مع التصريحات الأخيرة والمواقف الروسية، إعادة ترتيب نفسها في أفغانستان. هذه الجماعات تسعى إلى إعادة تشغيل الحرب الباردة القديمة والبدء في حملة دعائية ضد الأحادية القطبية والاستعمار. كما هو الحال في السنوات الاثنتي عشرة الماضية، فقد فشلت أمريكا في تطهير وكالات الاستخبارات الأفغانية من النفوذ الروسي، كذلك السيطرة على الضرورة الفنية لقوات الأمن الوطني الأفغاني. ومع ذلك، لا تفهم الدوائر الشيوعية حقيقة أن روسيا هذه الأيام ليست هي نفسها الاتحاد السوفياتي، التي كانت تمثل الأيديولوجية الشيوعية، بل أصبحت أيضا دولة رأسمالية، التي هي أمّ الاستعمار.


بعض المحللين البراجماتيين يعتقدون بالتعاون بين حلف شمال الأطلسي وشنغهاي ويعتبرونه مفيداً لأفغانستان، رغم أنهم يعدون الخلاف والصراع الداخلي، مثل وارسو وحلف شمال الأطلسي، هما ضد مصالح أفغانستان. ومع ذلك، فإن الواقع يفرض كون الهدف الرئيسي تحت ستار الحرب على الإرهاب، هو عرقلة توحيد "الأمة الإسلامية" تحت "الخلافة الإسلامية" وإحباط الكفاح السياسي والفكري لهذا الغرض. حتى عندما يتعلق الأمر بهذا، فإن أمريكا، والناتو، وروسيا والصين والحكام الدمى في العالم الإسلامي، يتكلمون جميعهم اللغة نفسها، ويدعم بعضهم بعضا.


أفضل مثال لتوضيح هذا هو المذبحة التي تعرض لها المسلمون الشيشان من قبل روسيا، التي لم تثر من أجلها الولايات المتحدة أي شعار لانتهاك حقوق الإنسان أو أي مخاوف من الخسائر في الأرواح البشرية البريئة. وبالمثل لم تستخدم روسيا حقها في النقض (الفيتو) ضد الغزو الأمريكي، غير القانوني وغير الأخلاقي، في أفغانستان، فقط من أجل نيل نصيبها من المصالح. حتى بعد ذلك، في عام 2005، قتل الآلاف من المسلمين بوحشية من قبل نظام كريموف بالتعاون بين الولايات المتحدة وروسيا. والآن في سوريا، حيث يطالب المتظاهرون بإحياء دولة الخلافة، فإن أمريكا، تختبئ وراء سلطة حق النقض الروسي والصيني، ليتم إعطاء الوقت لبشار الأسد داعما ذلك، حتى تجد لنفسها عميلا آخر له ليحل محله.


من ناحية أخرى، فإن البلدان نفسها الموحدة ضد المسلمين تصارع ضد بعضها البعض لتأمين منافعها الاقتصادية. فنحن نشهد مزيدا من الاهتمام للولايات المتحدة في المحيط الهادئ، وقضايا اليابان والصين، وشمال وجنوب كوريا، وقضية إيران النووية، والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وأوروبا، وأفريقيا والشرق الأقصى، حيث يوجد صراع نفوذ على الأسواق والموارد في جميع هذه المناطق، بين الدول الرأسمالية الكبرى في العالم. لذلك فإن الأهداف الرئيسية للبلدان الأعضاء في شانغهاى للتعاون هو الحفاظ على الولايات المتحدة وقوات حلف شمال الاطلسي مشغولة في هذا المستنقع لأطول فترة ممكنة، لتمكين روسيا من مواصلة زيادة قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، خاصة في المنطقة.

ولذلك، حتى يتم توحيد الأمة الإسلامية تحت راية الخلافة، التي حكمت العالم لقرون طويلة، وقامت بحماية الدم، والعرض، والموارد والوحدة بين أبناء الأمة فإن الكفار المستعمرين سيكونون دائماً في صراع مع بعضهم البعض على مواردنا وأراضينا. الماضي القريب قد أوضح لكل مسلم عاقل أنه في غياب الخلافة سيكون لدينا دائما قضايا مثل أفغانستان والشيشان وفلسطين والعراق وغيرها، والتي لا يمكن لأحد أن يحلها بشكل دائم سوى جيش دولة الخلافة. فعلى سبيل المثال، عندما هُزمت بريطانيا العظمى في أفغانستان؛ حلت روسيا محلها وعندما هزمت روسيا، حلت محلها أمريكا. الآن وقد أصبحت أمريكا على وشك الهزيمة فإن قوة استعمارية أخرى سوف تحل محلها، وهذا الحال سيستمر ما لم نُقِمْ دين الله سبحانه وتعالى عن طريق إعادة إقامة دولة الخلافة، التي ستضع حدا للمستعمرين ونضالهم الشرير في الأراضي الإسلامية. قريبا بإذن الله سيقضي نظام العدالة 'الإسلام' على نظام القمع والطغيان 'الرأسمالية'، وسوف تأخذ البشرية جمعاء نحو النجاح في الدنيا والآخرة.


((فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [البقرة: 137]

سيف الله مستنير

كابول، ولاية أفغانستان

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار