July 11, 2014

خبر وتعليق ليس بالقصف وحده يقتل حاكم شعبه.. وكم من محمد فقد أمه؟

الخبر:


نقل هذا الخبر عن صحيفة الانتباهة في يوم 2014/7/6 لكاتبته نجلاء عباس:


"محمد الابن الأكبر والوحيد بين ثلاث فتيات تتراوح أعمارهن «2 / 6 / 9» سنوات بينما لم يتجاوز محمد الـ«11» عاماً عندما توفي والده وصارت المسؤولية الكبرى على عاتقه بمساعدة والدته التي لا مجال لها سوى أن تتخذ من «بيع الكسرة» مصدراً لدخلها حتى تتمكن من تربية أبنائها ولم يجد محمد طريقاً سوى أن يترك التعليم حتى لا تكثر عليهم المصاريف ويشتغل صبي ميكانيكي مع أحد معارف والده بالمنطقة الصناعية وقبلت الأم قرار ابنها وهي مكرهة في الوقت الذي كانت تتمنى لابنها أن يدرس في أفضل الكليات الجامعية ويشتغل في وظيفة مرموقة في المجتمع يستفيد منها ويفيد غيره، لكن علمها التام بالظروف المادية التي يمرون بها جعلها توافق وتفوض أمرها إلى الله عسى ولعل يتمكن ابنها من مواصلة الدراسة بعد أن يتحسن وضعهم وبمرور عامين عمل فيهما محمد مع صديق والده وكان في تصليح السيارات ليساعد والدته في مصروفات شقيقاته الصغيرات لكن القدر كان أقسى على محمد عندما رجع من عمله ليجد والدته تشكو من المرض ودرجة حرارتها مرتفعة جداً وشقيقاته الصغيرات يبكين حولها ولا يعرفن كيف لهن أن يتصرفن لمعالجة والدتهن وأسرع محمد وأحضر الماء البارد ومنديل محاولاً أن يخفض حرارتها لكنه لم يفلح في ذلك حتى أصبح عليهم الصبح وهم في حالة توتر وقلق على والدتهم وعزم محمد أن يفعل المستحيل لتشفى والدته لأنه ليس على استعداد أن يفقدها كما فقد والده، وذهب محمد وتضرع إلى الله لشفاء والدته وذهبت الأخت الكبرى لتستعين بجارتها وأخبرتها أن والدتهم في حالة مرضية سيئة وذهبت معها الجارة للمنزل وجلست جوار الأم المريضة وقالت للأولاد أن أمهم تحتاج إلى مراجعة الطبيب ليعطيها العلاج المناسب وأخذ الأولاد أمهم إلى المستشفى وأخبرهم الطبيب أن مرضها ليس بالمزعج فقط يجب عليهم أن يشتروا لها العلاج المناسب لتشفي تماماً ورجع محمد وأسرته للمنزل وانتابهم شيء من الاطمئنان على أمهم لكن كان يحمل هماً من أين يأتي بمصاريف العلاج والروشتة التي كتبها الطبيب تكلف ألف جنيه وهو لا يملك في جيبة أكثر من «20» جنيهاً يومية العمل مع الميكانيكي ولم يجد محمد أمامه سوى أن يذهب ويستلف من معارفه وزملائه في العمل المبلغ على أن يسدده لهم في أقرب فرصة وبدأ بصاحب المحل الذي يعمل معه لكنه رده خائباً وذهب لغيره وغيره ولم يجد أحداً يقف معه على أن محمد طفل صغير والمبلغ الذي يطلبه كبير ولا يستطيع أن يرده لهم وانقضى يومان دون أن يحضر محمد علاجاً لوالدته وفي الصباح ذهب للعمل ووجد هناك رجال يلبسون ثياب فخمة ونظيفة ويبدو عليهم أنهم من الطبقات العالية في المجتمع ولهم عربات فخمة فقط يريدون من الميكانيكي وزن التكييف للعربات وأسرع محمد ليقف بالقرب منهم ويلبي لهم الخدمات المطلوبة وكان محمد يأمل في نفسه أن تتاح له فرصة ويجد مبالغ مالية وبالفعل ترصد محمد المواقف حتى تمكن من الدخول للعربة بمفرده بحجة أنه يفحصها ووجد بالدرج ثلاث ورقات مالية فئة دولار وأخذها وكانت الفرحة تغمره وبعد أن سلم «ورديته في العمل» ذهب للسوق وتبديل الدولار إلى عملة محلية وبلغت القيمة أكثر من ألفي جنيه واتجه إلى الصيدلية واشترى الأدوية وبعدها البقالة وشراء مأكولات مغذية لوالدته وعدد من أنواع الفواكه لكن لم يمر يومان حتى اكتشفت السرقة وحضر الرجل إلى الميكانيكي وأخبره أنه فقد عملات أجنبية وأنه يشتبه فيه وبالتحري والتقصي وإبلاغ الشرطة توصلوا إلى أن محمد هو السارق وخلال الاستجواب اعترف محمد بالسرقة وأوضح لهم كل الأسباب التي جعلته يسرق بالرغم من أنها ليست صفاته ولا أخلاقه لكن الأم هي أغلى ما نملك ولها يفعل المستحيل ومع تلك الأسباب أحيل البلاغ إلى المحكمة للفصل فيه."

التعليق:


قصة مؤلمة تتكرر في كل يوم إن كان في السودان أو في بلد آخر من بلاد المسلمين، تعددت الحالات والقتل واحد! فأين وصل بنا الحال ليحال ابن الحادية عشرة من العمر الفقير البائس إلى المحاكم؟ أمن أجل لقمة عيش أو الدواء يتحول شباب الأمة الإسلامية إلى "لصوص" تحت ضغط الحاجة الملحة ثم يتعرضون لمحاسبة القانون الوضعي الجائر والقضاء العاجز عن محاكمة اللصوص الحقيقيين أي الحاكم وبطانته الذين نهبوا ثروات البلاد وأطلقوا القيود لوحوش المحاكم ممن يبحثون عن المصلحة والقضاء العلماني لنهش المستضعفين.. قضاء ظالم يحكم بقانون وُضع بحسب مصالح النظام الظالم والذي يقضي بحسب تأليف أناس بعيدين كل البعد عن الإسلام وأحكامه السمحاء، والتي إن طُبقت تمنع وقوع الظلم، إلا أنهم أناس انعدمت الرحمة في قلوبهم تعودوا على الظلم مهما كان صغيراً أو كبيراً، والدليل على ذلك أن محمداً أصبح في نظرهم المجرم الذي يستحق العقاب، لكن أليس السؤال أيُحاسب محمد وفق الأحكام الشرعية على ما قام به؟ والسؤال لماذا الدواء غالي السعر ومن المسؤول عن ذلك إن لم يكن النظام الحاكم؟ سنجد أن محمداً يدفع ثمن تفريط رويبضات الحكومة.. فكيف يتحمل محمد هذا الضغط النفسي الرهيب الذي أدى به إلى سرقة المال لإنقاذ أمه؟ كيف نتحمل نحن ذلك عنه؟ هذا المال البسيط مقارنة بما تنهبه الدوائر الحكومية من الشعب.. ونسألكم بالله من منا يصبر على براثن المرض والجوع والفقر إلا من رحم ربي؟! ومن لأسرة محمد غير إمام عادل غائب يرعى الشؤون ويحفظ الحقوق فيرفع الظلم؟ موقف كهذا الموقف يتعرض له الآلاف من فلذات أكبادنا بات مشهداً عادياً، لا نملك إلا أن نشعر بالحسرة والمرارة ونعلم أن الناس تلعن الحكام على ما اقترفوه من جرائم تتمثل في هذه الأوضاع المزرية. فليس بالقصف وحده يقتل حاكم شعبه بل بكسر المعنويات وتضييق السبل وقتل التفكير لتقع في مصيدة العيش الضنك وضياع الحقوق والإهمال ثم يحاسبك ويعاقبك القانون نفسه الذي أباح السرقة والإفساد لحيتان النظام! أيها الناس في شهر رمضان المبارك؛ شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران؛ شهر الانتصارات والفتوحات الإسلامية العظيمة، لن يكون الشهر كما ينبغي ونحن نتحاكم إلى الطواغيت وهذا أساس الظلم ولن يكون رمضان شهر الخير والظلم باقٍ بيننا: قال سبحانه: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]. وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42]. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ، وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ، ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113]. إن من الظلم، الرضا بالظلم والإعانة عليه أوالسكوت عنه أو الركون والميل إليه، فكلنا ظلم محمداً إن لم نعمل لتغيير الواقع الفاسد ولاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الإسلام في شهر القرآن، وإلا فويل لأمة العدل والأمان..


إذا جار الأمير وحاجباه *** وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويل ثم ويـــل ثم ويـــل *** لقاضي الأرض من قاضي السماء


ولا حول ولا قوة إلا بالله

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم حنين

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار