خبر وتعليق   ما الذي دفع جماعة غولان إلى حرق سفنها
February 12, 2014

خبر وتعليق ما الذي دفع جماعة غولان إلى حرق سفنها


الخبر:


ذكر موقع إن تي في التركي أن رئيس الوزراء أردوغان قال في خطابه الذي ألقاه في ألمانيا عن تهديد الدولة الموازية للعديد من الناس داخل الدولة "سيتم حل هذه المسألة مهما كلف الثمن، وإن 30 آذار/مارس ستكون نقطة تحول".


التعليق:


لقد تسببت جماعة غولان بخلق تصور سيء جدا لدى الشعب التركي في الصراع الدائر بينها وبين الحكومة وذلك بما أثرت به بشأن مخرج "الدولة الموازية" الذي يحمله أردوغان.


وفقا لهذا التصور: فإن هناك مهمة للجماعات، وينبغي عدم الخروج أبدا عن هذه المهمة! مثل عدم سعيها إلى الاستيلاء على الدولة، والسيطرة عليها وغيرها مما شابه، وينبغي عدم وجود حتى النية للقيام بأعمال كهذه.


في السنوات السابقة حين قيل عن وجود صراع بين حزب العدالة والتنمية وبين الجماعة قام كلا الطرفين بردِّ هذا الادعاء وسرد سلسلة من المدائح للآخر. لكن في البداية عند سيطرة إغلاق مراكز الدروس الخاصة على الساحة ومن بعدها عملية الفساد في 17 كانون الأول/ديسمبر تحولت المسألة من صراع بين الطرفين إلى حرب بينهما. وأيضا فقد علمنا من هذا الصراع أن تصفية الجماعة قد بدأت في عام 2006 وفقا لحزب العدالة والتنمية وقد لاحظت الجماعة ذلك في 2007.


أما الجماعة فقد أطلقت في البداية على نفسها اسم "الجماعة" ثم "حركة غولان" وفي النهاية "حركة الخدمة". ولكن حاليا يظهر من قصدها التأثير في الشعب أنها ليست مجرد جماعة ذات هيكلية محافظة ومدنية، بل هي منظمة ذات هيكلة نصف حزب، ولها علاقات سياسية وقضائية وفي دنيا الأعمال، إضافة إلى أنها قادرة على الصراع مع السلطة. حتى إن لها أراءً مختلفة عن الحكومة بشأن المسألة الكردية في تركيا وحتى بشأن سياستها مع كيان يهود وسوريا، وخصوصا أنها تعتقد بوجوب بقاء التحقيق بشأن اتحاد المجتمعات الكردستاني كمسألة أمنية.


إلا أن الجماعة لم تدخل من قبل في صراع بهذا الشكل على أي سلطة. ولكن، ألم تحسب الجماعة حساب وجود ثمن تدفعه مقابل دخولها في صراع على السلطة كهذا؟


بالتأكيد نعم... حيث إن الجماعة كانت على علم مسبق بقيام الحكومة بتصفيتها. وكما يمكن أن يفهم من مجموعة متنوعة من التسجيلات الصوتية اتخاذها الحذر في عدد من العلاقات وكأنها تستعد لما بعد 17 كانون الأول/ديسمبر.


وبصراحة فإن الجماعة تسعى إلى أن تكون قوة سياسية ضمن النظام الحالي في تركيا. ولا تبدو أنها ستتنازل عن مسعاها هذا. لذلك فحتى تتمكن من التحول إلى قوة سياسية فإن عليها دفع ثمن مقابل ذلك، وقد بدأت حاليا في دفع هذا الثمن. فهي في وضع حيث تم البدء بتصفية جميع الموظفين التابعين لها من مؤسسات الدولة. إضافة إلى ذلك فإن الجماعة تتعرض إلى تشبيه "بالقتلة" من قبل الحكومة، كذلك تدعو الحكومة بشكل علني لقطع رجال الأعمال دعمََهم الذي كانوا يقدمونه في السابق للجماعة، حتى إن الحكومة قامت بإرسال النواب مؤخرا إلى أوروبا للبحث بشأن الجماعة.


وفقا لتقارير وسائل الإعلام التركية التي نشرت بتاريخ 4 شباط/فبراير 2014، فإن وكالة الاستخبارات الداخلية الألمانية، ومنظمة حماية الدستور قد قدمت تحذيرا لحركة فتح الله غولان ومدارسها. وفي التقرير الصادر عن منظمة حماية الدستور في ولاية بادن فورتمبيرغ، يشار إلى أن "كثيراً من أفكار حركة غولان تتعارض مع القيم الديمقراطية، وأن غولان نفسه قد تلقى تدريبا لإقامة دولة دينية".


كما أنه في هذه المرحلة يظهر أن الرأي العام نحو عملية الفساد قد تراجع جزئيا نتيجة الخطوات التي اتخذتها الحكومة وساندتها وسائل الإعلام الموالية لحزب العدالة والتنمية بعد عملية الفساد في 17 كانون الأول/ديسمبر مثل إعادة المحاكمة والحزمة الديمقراطية.


وعلى الرغم من عمليات التصفية العديدة التي تعرضت لها الجماعة من وظائف الدولة، إلا أنها لم تواجه ردا قاسيا بعد. حيث يظهر أن الحكومة تمسك بحبال عدة تغييرات في القانون وإعادات تعيين. ولا يبدو أن هذه المسألة قد تحل في وقت قصير. حيث إن رئيس الوزراء أردوغان يتحدث عن الدولة الموازية في كل زيارة داخلية وخارجية له. وخصوصا سيقوم بالمحافظة على سخونة هذا الموضوع خلال فترة الانتخابات هذه، لأن المعارضة ستقوم بمهاجمته من هذه النقطة ذاتها.


إذنْ لماذا قامت الجماعة بمبادرة كهذه و"حرقت سفنها" وهي على علم بما سيحل بها بعد هيكلة الحكومة القوية التي أيقظت وزير الداخلية من نومه في تحقيق الاستخبارات وخصوصا التحقيق في عملية الفساد في 17 كانون الأول/ديسمبر؟


أولا: لا يوجد شك عند أحد من المركز الذي تشغله الجماعة بفضل هيكلتها الحالية وأفكارها التي تحملها وأعمالها. ويكفي النظر إلى أعمالها خصوصا في الحوار بين الأديان ومجلس أبانت. بالإضافة إلى وجود ادعاءات حول استخدام المحافظين الجدد في أمريكا واستخبارات يهود لها تعود إلى النهج الذي اتبعته الجماعة تجاه حادثة سفينة مرمرة وسياسة الحكومة تجاه كيان يهود.


وثانيا: ربما اعتقاد الجماعة بتعرض رئيس الوزراء أردوغان إلى عمليات متتابعة مثل عملية الفساد في 17 كانون الأول/ديسمبر وبعدها مبادرة 25 كانون الأول/ديسمبر التي تم التخطيط لها ولكن لم تتم نحو رجال الأعمال المقربين من رئيس الوزراء، وعملية القاعدة التي شملت زعيم جمعية İHH ورئيس بلدية وان من حزب العدالة والتنمية، ثم بعد ذلك إيقاف وتفتيش الشاحنات المتوجهة إلى سوريا، تحدث له خسائر فادحة لن يتمكن من التعامل معها هو ما دفعها إلى "حرق سفنها".


إن علاقة 10 أعوام بين حزب العدالة والتنمية والجماعة والنقطة التي وصلت لها، تعد حادثة تؤخذ منها العبر والدروس من وجهة نظر الحركات الإسلامية. فإذا كنا نرغب بتغيير المجتمع فلن نتمكن من ذلك ونحن الفِناء الخلفي لعدة أحزاب سياسية ديمقراطية. بل بالسير على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم، وإقامة السلطة السياسية التي أمرنا بها ديننا الإسلامي وهي دولة الخلافة التي بها نلقى عزنا وشرفنا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عثمان يلديز

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار