September 13, 2013

خبر وتعليق ما الذي سيمنعُ أن يصبحَ الأطفالُ في سوريا جيلاً ضائعًا


الخبر:


في يوم 8 سبتمبر، نشرت وكالة أنباء "إن بي سي" مقالا بعنوان: "كل ما يمكنهم القيام به هو الصراخ" التي ناقشت إجهاد ما بعد الصدمة الشديدة التي تؤثر على أطفال سوريا بسبب ما عانوا خلال الحرب الوحشية التي شنها الطاغية بشار ضد المسلمين المخلصين في الشام.


التعليق:


مما لا شك فيه، أن أطفال سوريا هم أحد الضحايا الرئيسيين لهذه الحرب، بعد أن شهدوا وخاضوا تجربة أهوالها التي لا توصف ولا ينبغي أن يشهدها أو يعانيها أي طفل. وقتل الآلاف في الغوطة في المجزرة الأخيرة، وكان معظم الضحايا من النساء والأطفال. وقد تم تعذيب واغتصاب العديد منهم في حين شهد الآخرون القتل وسفك الدماء، وحتى شهد بعض الضحايا قتل آبائهم وأمهاتهم أمام أعينهم. وبالإضافة إلى ذلك، تلقت الجمعية الخيرية "سيف ذا شيلدرن فند" أو "صندوق إنقاذ الطفولة" تقارير عن أطفال يموتون على قارعة الطريق، أو اضطروا إلى لعق الرطوبة من العشب وأوراق الشجر في محاولة يائسة لمنع العطش في درجات الحرارة المرتفعة خلال "رحلات الموت" المحفوفة بالمخاطر واليائسة للفرار من القتال.


ومع ذلك، فإن الأطفال المصابين بصدمات نفسية في سوريا لا يحملون فقط الندوب الجسدية والنفسية للحرب، بل إنهم يواجهون بعد مرحلة أخرى من المشقة، والنضال، والقهر عند التماس اللجوء في البلدان المجاورة كما تناولته أيضا مقالة وكالة أنباء "إن بي سي" ومقطع نشرته قناة الجزيرة في 3 سبتمبر الذي ناقش الفقر والاستغلال وسوء المعاملة التي تواجه الأطفال اللاجئين السوريين في الدول المجاورة مثل لبنان أو الأردن. ووفقًا للأمم المتحدة، هناك مليون طفل لاجئ من سوريا، ثلاثة أرباعهم يقدرون بأنهم تحت 11 سنة. وقد يُتّم العديد منهم وتُركوا وحدهم ليكافحوا من أجل البقاء على قيد الحياة، أو وضعوا في مخيمات فقيرة مع نقص في الغذاء والرعاية الطبية، والمياه النظيفة، والصرف الصحي، والكهرباء مما أدى إلى انتشار الأمراض، وسوء التغذية المزمن، وحتى إلى الموت.

وقد اضطر الآلاف من الأطفال اللاجئين السوريين، وخصوصا الأيتام أن يعيلوا أنفسهم وعائلاتهم نتيجة للفقر المدقع في الدول المضيفة بسبب الحكومات والحكام الذين تخلوا عن مسؤولياتهم في رعايتهم وسد احتياجاتهم. ففي لبنان، التي لديها أكبر عدد من اللاجئين السوريين، يقدر أن خمسين ألفًا إلى سبعين ألف طفل يعملون في الشوارع، وذلك في أعمال البناء بشكل رئيسي، وفي المحلات التجارية، والزراعة، أو كخدم في المنازل. وهم يواجهون ظروف عمل يرثى لها، وساعات عمل طويلة، وتدنيًا في الأجور، إلى جانب مواجهة خطر العنف الجسدي أو الجنسي أو الاستغلال في الشوارع. وفي الأردن هناك حوالي ثلاثين ألف طفل سوري يعملون حاليا في البلاد. وعلاوة على ذلك، فإن الأطفال اللاجئين السوريين في لبنان لا يملكون أي شكل رسمي لتحديد الهوية، وبالتالي يعاملون على أنهم "غير أشخاص" من قبل الدولة ويمنعون من الحصول على أي نوع من التعليم الرسمي، بينما فقط نسبة صغيرة من الأطفال اللاجئين في بلدان أخرى يحصلون على التعليم. كل هذا دفع عددًا من وكالات الإغاثة للحديث عن نشوء "جيل ضائع" من الأطفال السوريين.


بالفعل، لقد دفع أبناء سوريا وعائلاتهم ثمنا باهظا في نضالهم النبيل من أجل إزالة الديكتاتورية العلمانية القمعية والنظام في أرضهم واستبدال الرعاية تحت حكم الإسلام الذي تطبقه دولة الخلافة به. والآن، مع تصعيد الحكومات الغربية خطابها للتدخل العسكري في سوريا، فإنه بصفتنا مسلمين يجب علينا رفض أي شكل من أشكال التدخل الغربي بشدة، ليس فقط لأن الله سبحانه وتعالى قد حرم ذلك بشكل جازم، ولكن لأن هذا التدخل له هدفان رئيسان: أولا، تثبيت نظام العميل المقبل في البلاد، الائتلاف الوطني السوري، الذي سينفذ النظام العلماني الغربي ويخدم مصالح الحكومات الغربية وليس مصالح الشعب، وثانيا، لمنع إقامة دولة الخلافة. هذا ليس تدخلاً عسكريًّا يدفعه قلق حقيقي من أجل أطفال سوريا، ففي النهاية فإن الولايات المتحدة هي النظام الذي يسعى لمواصلة سياسة هجمات الطائرات بدون طيار في أفغانستان وباكستان التي أودت بحياة المئات من الأطفال المسلمين. ولذلك فإن دعم التدخل العسكري الغربي هو خيانة للتضحيات الكبيرة التي قام بها المسلمون في سوريا في هذه الثورة من أجل الإسلام ويؤدي إلى تحقيق التبوء "بالجيل الضائع" من الأطفال السوريين الذين سيتم التخلي عنهم للعيش ما تبقى من طفولتهم، إن لم يكن حياتهم، في ظل هذه الظروف البائسة. وسيتم حرمانهم من الحق في العيش في ظل حماية القيادة الإسلامية ونظام الخلافة التي من شأنها أن ترعاهم وتسد احتياجاتهم، وتوفر التعليم الجيد كما أمر الله (سبحانه وتعالى) والتي ذكرها النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما قال: "من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلينا".


إن الدعوة يجب أن تكون للجيوش المسلمة فقط للتدخل العاجل في هذه الحرب لحماية دماء أمتهم وإعطاء النصرة لحزب التحرير لإقامة الخلافة؛ فهي وحدها ستنقذ أطفال سوريا وجميع المسلمين في العالم من المآسي التي يواجهونها.


ستكون هذه الدعوة واحدة من العديد من الرسائل التي سنوجهها في مسيرة كبيرة للأطفال والنساء والتي ستعقد في لندن يوم 22 سبتمبر وسيحضرها النساء من جميع أنحاء المملكة المتحدة. وقد تم تنظيمها من قبل النساء في حزب التحرير اللاتي يسعين لحشد النساء المسلمات من أجل الوقوف تضامنا ودعمًا للنضال الإسلامي لأخواتهن في سوريا اللاتي يضحين بحياتهن وحياة أطفالهن من أجل إقامة حكم الإسلام في أرضهن وهو وحده الذي يحمل الوعد بمستقبل أكثر إشراقا لأبناء هذه الأمة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. نسرين نواز
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار