خبر وتعليق ماذا أنجزت هيئة مكافحة الفساد "نزاهة" في السعودية؟
January 17, 2014

خبر وتعليق ماذا أنجزت هيئة مكافحة الفساد "نزاهة" في السعودية؟


الخبر:


رئيس "نزاهة" يشكو لـ"الشورى" قلة الحيلة:


"... وما بين هذا وذاك حضرت شكوى الهيئة من قلة الحيلة وعدم تجاوب الجهات الحكومية مع مخاطباتها زمنيا ونوعيا، فيما فاجـأ رئيسها الشريف الأعضاء حينما كشف عن تجاهل جهات حكومية لطلبات "نزاهة" بتحديد أسماء المسؤولين المقصرين بالـرد على خطاباتها لإحالتهم إلى التحقيق." (الوطن - 2014/1/13).

التعليق:


أنشئت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (نزاهة) بأوامر مباشرة من ملك البلاد عام 1432 هجري بعد أقل من شهرين على كارثة سيول جدة التي راح ضحيتها أكثر من مئة شخص، وقد صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة الدولية لمكافحة الفساد في العام الماضي، واللافت لكل متابع أن الهيئة في معظم الأحيان لم تصل إلى نتيجة ذات بال في مكافحة الفساد، بل إن معظم تحقيقاتها وتقاريرها تلقى تجاهلا حكوميا كما لم يخف رئيسها في الخبر المذكور..
إزاء هذا الأمر لا بد من تبيان حقيقتين أساسيتين:


أولا: لا بد لجميع أبناء بلاد الحرمين الشريفين أن يدركوا أن الفساد الحقيقي ليس برشوة أو محسوبية أو واسطة أو اختلاس... فقط، أي ليس بفساد مالي هنا أو إداري هناك فحسب، بل إن هذه مظاهر طبيعية وأعراض جانبية للفساد الحقيقي، فالفساد الحقيقي بمعناه الشرعي هو معصية الله تعالى وعدم تطبيق أحكامه، وعليه فالفساد الحقيقي إذن:


• هو عدم رعاية شؤون المسلمين بتأمين حاجاتهم الأساسية من مسكن أو ملبس أو مأكل، ومن صحة وتعليم وأمن، وتمكينهم من إشباع أكبر قدر ممكن من الحاجات الكمالية، وهو ما أوجبه الله تعالى على الدولة الإسلامية بحق رعاياها..


• هو نهب أموال الملكية العامة، التي جعلها الله ملكا للأمة وجعلتها الدولة ملكا لها..


• هو التمييز بين الشريف والضعيف في القانون والعقوبة، وما صرح به الوزير عن التجاهل الحكومي إلا خير دليل على ذلك، وصدق سيد البشر حين قال: «يا أيُّها الناسُ، إنَّما ضلَّ مَن كان قَبلَكم، أنهُم كانوا إذا سرَقَ الشَّريفُ تَرَكوه، وإذا سَرَقَ الضَّعيفُ فيهِم أقاموا عليه الحَدَّ، وايْمُ اللهِ، لو أنَّ فاطِمَةَ بنتَ مُحمدٍ، سَرَقَت لَقطَعَ مُحمدٌ يَدَها» [البخاري].


• هو إنشاء فضائيات الفساد والإفساد التي تبث الرذيلة والجريمة والفساد في المجتمع، بدلا من غرس التقوى التي تمنع الناس من الفساد..


• هو التفرقة بين المسلمين على أساس الحدود التي رسمها الكافر المستعمر والتي تجعل المسلم الذي لم تشمله أقلام المستعمر أجنبيا في بلاد المسلمين..


• هو موالاة الكافرين والتزام اتفاقياتهم وشرائعهم بدلا من شريعة الله..


• هو إنفاق أموال المسلمين على الكافرين، لحل مشاكلهم وإنقاذ أزمات أنظمتهم المالية والسياسية، إما بتبرع مباشر لتنفيذ مخططاتهم السياسية أو بتبرع غير مباشر عن طريق المشاريع والصفقات والعقود التي تصب أموال الأمة في جيوب أعدائها..


• هو الانخراط في المنظومة الرأسمالية العالمية وتطبيق شريعتها على المسلمين في السياسة والاقتصاد...


• هو غياب الأجهزة الشرعية في الحكم والإدارة، والتي تمنع الفساد من الدولة، كمحكمة المظالم ومجلس الأمة الذي يحاسب الدولة، أو تمنعه من الأمة كقضاء الحسبة الذي يراقب أعمال الناس ويفض نزاعاتهم بما شرع الله..
• ورأس ذلك كله هو غياب دولة الإسلام الحقيقية ونظام الحكم الذي شرعه الله سبحانه وأقامه رسوله المسيّر بالوحي صلى الله عليه وسلم، وحافظ عليه صحابته الراشدون من بعده، نظام الخلافة، وإبداله نظاما ملكيا إقليميا ما أنزل الله به من سلطان..


وإن عدم وصول تحقيقات "نزاهة" في معظمها إلى نتيجة تذكر ليدل دلالة واضحة أن معظم ما تسمى قضايا الفساد مرتبطة ارتباطا وثيقا بفساد منظومة الدولة ونظامها السياسي والاقتصادي وليست مجرد مسألة فساد أشخاص أو هيئات..


ثانيا: إن مكافحة الفساد بشكل حقيقي لا يمكن أن تتم بالتغافل عن السبب الحقيقي للفساد، وهو غياب نظام الحكم الإسلامي الحقيقي، وغياب إقامة أحكام الله في السياسة والاقتصاد وأجهزة الدولة وعلاقاتها مع الدول الأخرى وعلاقاتها مع رعاياها، وغياب الإعلام والتعليم الذي يبث العقيدة ويغرس التقوى في النفوس، وغياب وسائل محاسبة الدولة، بل إن كل حديث عن مكافحة الفساد في ظل هذه المنظومة الفاسدة ليس إلا نفخا في رماد..


إن مكافحة الفساد بشكل حقيقي لا تتم إلا بإقامة نظام الحكم الراشد الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى، فأقامه رسوله صلى الله عليه وسلم وصانه صحابته رضوان الله عليهم من بعده، خلافة راشدة على منهاج النبوة، تؤمن الحاجات الأساسية لرعاياها وتقيم فيهم شرع الله بحق، وتحكم بين المسلمين وغيرهم بما أنزل الله، ولا تقيم علاقاتها إلا على ما شرع الله، ولا تأخذها في دين الله لومة لائم، ولا تلتزم إلا بما شرع الله، ولا تنتهي إلا عما نهى، تتقي الله في رعيتها، وتنقل إليهم تقوى الله.. هذه هي الدولة التي تكافح الفساد بحق وتقيم العدل بحق وتمنع الظلم بحق، عندها وعندها فقط يُقطع دابر الفساد وجميع أعراضه ومظاهره ويرتدع مقترفوه، وتتحقق للمسلمين الطمأنينة الحقيقية في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّهُمْ أَقَامُواْ التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رّبّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مّنْهُمْ أُمّةٌ مّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾..


فالعمل العمل لذلك يا أبناء بلاد الحرمين فإن أمر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، ولتكن بلاد الحرمين مهد الخلافة الراشدة ومنطلق الخير إلى البشرية كما كانت في عهد النبوة ولتكونوا أنتم السباقين لوعد الله سبحانه وبشارة رسوله عليه الصلاة والسلام بعودة الخلافة الراشدة التي أظل زمانها وسطعت بشائرها.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد بن إبراهيم - بلاد الحرمين

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار