June 11, 2014

خبر وتعليق مهرجان موازين


الخبر:


"عرف مهرجان موازين أول أمس الجمعة إحياء المغني الشهير بميوله الجنسية ريكي مارتن لحفل صاخب بمنصة السويسي بالرباط والتي حضرها حوالي 150 ألف شخص، واستمر إلى وقت متأخر من الليل. وفي سابقة في تاريخ المغرب الإسلامي وفي عهد حكومة الإسلاميين، أقدم مجموعة من المثليين على رفع علم النضال أو بالأحرى علم الفخر بالمثلية كما يصطلح عليه فيما بينهم، كما يظهر في المقطع للفيديو الذي تم تداوله على الفيسبوك." نقلا عن موقع هبة بريس يوم 2014/06/08، كما نشر موقع أخبارنا أن "مجلة أصوات للمثليين المغاربة (aswat magazine)نشرت "فيديو عن هذا الحدث وقالت أن المغني المثلي ريكي مارتن قام بشكر هؤلاء النشطاء على ذلك وحيا من رفع علم الفخر بالمثلية".


التعليق:


فيما أصبح الآن تقليداً سنوياً، تعقد هذه الأيام الدورة الـ13 من مهرجان موازين سيئ الذكر (بمشاركة 1500 مغنٍّ ومغنية!)، ورغم وجود شبه إجماع على إنكار انعقاد هذا المهرجان منذ انطلاقته صيف 2001 لما يمثله من فساد أخلاقي وتبذير للأموال، فإن المهرجان استمر في الانعقاد سنة بعد سنة، ضارباً بعرض الحائط كل الانتقادات.


والعجيب أن هذا المهرجان يعقد سنوياً في فترة امتحانات البكالوريا بما يترتب على ذلك من إشغال للطلبة وإلهاء لهم عن التحضير. ورغم كل المطالبات بتأجيله إلى ما بعد الامتحانات إن كان أصحابه مصرين على إقامته، إلا أن منظمي المهرجان يصرون على عقده في الفترة نفسها.


وقد يتساءل البعض عن سبب الإصرار على عقد هذا المهرجان، وما يبرر إنفاق المبالغ الضخمة على المغنين القادمين من شتى أصقاع الأرض، فيما تعاني شرائح عريضة من إخواننا من الفقر والتهميش، وفي وقت تضطر الدولة إلى الاقتراض لسداد عجز الميزانية وتمويل المشاريع (آخرها قرض من البنك الدولي بقيمة 459 مليون دولار أعلنت عنه وزارة الاقتصاد والمالية في 2014/05/28). كما قد يتساءل البعض عن سبب عجز كل المطالبين مع كثرتهم عن ثني الدولة عن عقد هذا المهرجان حيث أثبت المهرجان على مر السنين أنه أقوى من كل الهيئات السياسية وما يسمى حركات المجتمع المدني بما أن كل مطالباتهم ذهبت أدراج الرياح. لقد كان حزب العدالة والتنمية الحاكم حالياً، حين كان في المعارضة، يرفع عقيرته إلى السماء مطالباً بإلغاء هذا المهرجان، وإنفاق الأموال فيما ينفع الناس، لكنه حين سُلِّم الحكم لحس مطالباته وتراجع عن العمل لإلغائه.


أما إصرار الدولة على عقد المهرجان، فيجب ملاحظة أن هذا المهرجان ليس الوحيد الذي يعقد وإن كان أكبرها وأكثرها كلفة وبالتالي إثارة للجدل، فهناك إلى جانب موازين عشرات المهرجانات الغنائية التي تعقد سنوياً في طول البلاد وعرضها. أي أن المهرجانات تدخل ضمن مخطط سياسي متكامل وليس عملاً فردياً أو ارتجالياً تقوم به جهة هنا أو هناك. وقد برزت معالم هذا المخطط شهوراً بعد تفجيرات الدار البيضاء في 2003/05/16. وقد نسبت هذه التفجيرات كما هو معروف "للمتطرفين الإسلاميين"، وقيل حينها أن "التشدد الديني" هو المغذي الفكري لها. لذلك فالحل هو، بالإضافة طبعاً إلى شقه الأمني القاضي باعتقال كل من يشتم فيه رائحة الانتماء للحركات الإسلامية "المتطرفة"، هو إعلان الحرب على القيم الدينية بتشجيع المهرجانات الهابطة وإنتاج الأفلام والبرامج التي تروج لاختلاط الرجال بالنساء وإشاعة الفساد. وقد سارت الدولة على هذا المنهاج من ذلك الحين إلى اليوم ولم تبدل تبديلاً بل عمدت إلى زيادة الجرعة يوماً بعد يوم حتى صار ما كنا ننكره بالأمس القريب شيئاً مقبولاً وعادياً اليوم. تداولت المواقع الرقمية مؤخراً (2014/05/12)، خبر توقيع اتفاقية بين المجلس الوطني لحقوق الإنسان ووزارة الصحة تهدف إلى «تخفيف التمييز والمحافظة على حقوق الفئات السكانية الأكثر عرضة» لخطر الإصابة بالسيدا، وكذلك تلك المتسمة بـ«الهشاشة» و«المتعايشين» مع الفيروس المسبب لهذا المرض. وتضم هذه الفئات أساسا العاملات في الجنس والمثليين المصابين إلى جانب المتعاطين للمخدرات التي تؤخذ عبر الحقن. وأوضح أحمد الدريدي، المنسق العام لفروع الجمعية المغربية لمحاربة السيدا أن «التمييز يؤدي إلى الوصم، وبالتالي المنع من الوقاية والعلاج. فعاملات الجنس والمثليون لا يتمكنون، مثلا، من إجراء التحاليل، وبالتالي لا يدخلون منظومة الوقاية»، كما أن «عاملة الجنس التي يوظف الأمن العازل الطبي الذي يعثر عليه بحوزتها كدليل يدينها ستمتنع عن استعماله، وبالتالي، نفتح المجال أمام مزيد من احتمال نشر الفيروس». وأياماً قليلة بعد هذا الإعلان، صرح أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، في 2014/05/15 رداً على سؤال في مجلس النواب بخصوص حملة أطلقتها إحدى المجموعات للمطالبة بحقوق الشواذ بوجوب التعاطي مع هذه الظاهرة بالحكمة والموعظة الحسنة! سبحان الله، فقط حين يتعلق الأمر بالدعارة والشذوذ الجنسي يظهر الحنان والرعاية والحكمة والموعظة الحسنة، أما المحتاجون ممن ينهش الفقر والبرد والظلم لحومهم، فهؤلاء ما لهم من الحنان نصيب!


أما عجز الجميع عن إلغاء المهرجان، فمن جهة لما ذكرنا سابقاً من كونه سياسة ثابتة للبلد لها هدف محدد، ومن جهة أخرى لكون المهرجان يعقد تحت "الرعاية السامية للملك"، وكونه كذلك يعني أن كل الإمكانيات يجب أن تسخر لخدمته مهما كانت التكاليف، وأن الوقوف في وجهه يعني الوقوف في وجه الملك وهذا ما لا تقوى أي حركة سياسية على فعله، وهذا سبب تراجع حزب العدالة والتنمية عن موقفه.


بقيت مسألة يحتج بها المدافعون عن هذا المهرجان، وهي أن الدولة، ابتداءً من 2011، لم تعد هي من يُموِّل المهرجان كما كان الأمر سابقاً وإنما أصبح يتم تمويله من طرف الحاضنين وبيع التذاكر والمساحات الدعائية، وبالتالي لا يمكن الحديث عن تبذير لأموال الدولة. فإن افترضنا صحة هذا، وهو ليس صحيحاً، فقد ظهرت مؤخراً وثيقة على المواقع (الاجتماعية) تثبت تمويل المكتب الشريف للفوسفات لمهرجان موازين 2014 بمبلغ 2 مليون درهم. نقول وإن افترضنا صحة هذا، فإن الموقف من المهرجان ليس نابعاً فقط من كونه يبذر أموال الأمة في وقت تحتاج فيه إلى كل درهم من أموالها وهذا لا يشكك أحد في حرمته، ولكن أيضاً من كونه حراماً لما يلازمه من اختلاط وفسق وعري ودعوات إلى الفجور، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.


إن القول بحرمة مهرجان موازين وكل مهرجانات الفساد التي تعقد سنوياً هي مما لا يختلف فيه من أوتي أدنى نصيب من العلم الشرعي، لكن الدولة عندنا عودتنا أنها لا تقيم وزناً لأحكام الشرع، لذلك فقد فقدنا الأمل في إمكانية أن تراجع موقفها من نفسها، لكننا نعيب على العلماء والمخلصين من أهل الفكر والرأي، إلا من رحم الله، أنهم لا يأخذون على أيدي الدولة ولا يشددون عليها النكير، ويتركون السفهاء يعيثون في الأرض فساداً، يبذرون الأموال ويشيعون الفاحشة.


إن انعقاد هذا المهرجان وأمثاله، والشيوع المتعاظم يوماً بعد يوم للفاحشة والفساد بين أبنائنا هي نتائج مخطط لها لسياسة مقصودة، وهي قبل ذلك إحدى ثمار بعدنا عن تطبيق شرع ربنا، فمن كان منكم حريصاً على وقف هذا المهرجان ووضع حد لهذا التدهور الأخلاقي، فالحل معروف، دولة تطبق الشرع، وتلغي فوراً كل ما يخالف أوامر ربنا. فهل من مستجيب؟

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد عبد الله

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار