خبر وتعليق   مجالس الشورى تناقش القوانين والتشريعات بعيدا عن الإسلام
March 08, 2014

خبر وتعليق مجالس الشورى تناقش القوانين والتشريعات بعيدا عن الإسلام


الخبر:


عقد فريق العمل المنبثق من اللجنة التشريعية والقانونية بمجلس الشورى والمكلف بدراسة تقرير اللجنة الاقتصادية والمالية حول مشروع قانون حماية المستهلك اجتماعا ناقش فيه تقرير اللجنة، وذلك من حيث الصياغة القانونية والتشريعية وتنسيق الأحكام وبعض الأمور المتعلقة بالجوانب القانونية. كما عقدت اللجنة الاقتصادية والمالية بالمجلس اجتماعا لمناقشة بعض المقترحات حول مشروعات تعديل بعض أحكام قانون شركات التأمين وقانون التأمين على المركبات وقانون سوق العمل. وسوف تستمر اللجنة في تدارس تلك التعديلات مع خبراء ومختصين ومستثمرين في مجالات التأمين وسوق المال، آخذة في الاعتبار الآثار المترتبة على تطبيق هذه التعديلات من جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى تدارس الجوانب التي تهم المستثمر في تلك المجالات الاقتصادية الحيوية. [المصدر: الوطن العمانية 2014/03/04]


التعليق:


إن الحقيقة التي لا يماري فيها مسلم هي أن الشورى أمر منصوص عليه في الإسلام، وهي حكم شرعي، شرعه الله سبحانه وتعالى، وأمر المسلمين بأخذها باعتبارها حكما شرعيا. إلا أن نظرة إلى واقع ما تسمى بمجالس الشورى في بلاد المسلمين الآن والدور المنوط بها، والتي أنشأتها الحكومات في بلاد المسلمين، تطبيقا لهذا الحكم الشرعي بحسب زعمهم، ترينا أنها تناقش وتقرّ تشريعات وقوانين تناقض أحكام الإسلام، مبتعدة كل البعد عن تطبيق المعنى الشرعي للشورى، بل وتحوّل أعضاؤها إلى محللين شرعيين لتلك الأنظمة القائمة على المبدأ العلماني الرأسمالي.


فمجلس الشورى في الدولة الإسلامية هو مجلس يتكون من أشخاص يمثلون المسلمين في الرأي، ليرجع إليهم الخليفة لاستشارتهم في الأمور المباحة، أي التي خير فيها الشارع المسلمين بين الفعل والترك ولا تكون أبدا في الأمور المحرمة، فهي يحرم أخذ الرأي فيها. وهم ينوبون عن الأمة في محاسبة الحكام، وذلك أخذا من استشارة الرسول عليه الصلاة والسلام لرجال من المهاجرين والأنصار يمثلون قومهم، ومن تخصيص الرسول عليه الصلاة والسلام، رجالا من صحابته للشورى، كان يرجع إليهم أكثر من غيرهم في أخذ الرأي، منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وسلمان الفارسي، وحمزة، وغيرهم.


إلا أنه بعد أن هدم الغرب الكافر دولة الخلافة، ومزق الدولة الإسلامية إلى دويلات كرتونية ضعيفة، سعى الغرب إلى إبعاد نظام الإسلام عن الحكم والحياة فأقام أنظمة دكتاتورية خاضعة له، تطبق على المسلمين مبدأهم الرأسمالي الفاسد القائم على أساس فصل الدين عن الحياة، وتسن القوانين السياسية والاقتصادية والاجتماعية على أساسه، بعيدا عن مبدأ الإسلام وأحكامه. غير أنهم تضليلا للمسلمين وترسيخا للمبدأ الرأسمالي في بلاد المسلمين زينوا للمسلمين مفهوم الديمقراطية وزعموا زورا وبهتانا بأنها من الإسلام وأنها هي الشورى أو أنها تتطابق معها في كثير من الأمور مما يجعل الشورى صالحة للتطبيق في العصر الحديث تماما كالديمقراطية المطبقة لديهم. فأنشأ بناء على ذلك في البلاد الإسلامية التي تحكمها أنظمة دكتاتورية ما سميت بمجالس الشورى. والواضح البيّن أن تلك المجالس لم يكن إنشاؤها طاعة لله لأجل أخذ رأيها في الأمور المباحة، ومحاسبة الحكام في عدم حكمهم بأحكام الإسلام، أو في تقصيرهم في رعاية شؤون الناس ومصالحهم، وإنما وجدت لأجل شرعنة القوانين الرأسمالية الكافرة، ورعاية مصالح الغرب الكافر في البلاد الإسلامية، وتسهيل نهبهم لثروات المسلمين وإضفاء الشرعية على تلك الأنظمة التي لا تحكم بالإسلام. والدليل على ذلك ما ورد في الخبر، كنموذج لما يدور في اجتماعات مجالس الشورى، من تشريع قانون سوق العمل بعيدا عن أحكام الله، وقانون التأمين، وشركات التأمين، وهي قوانين ونظم خاطئة مناقضة للإسلام، منبثقة من النظام الرأسمالي القائم على أساس فصل الدين عن الحياة، تخدم مصالح الدول الغربية وشركاتها الاستثمارية الرأسمالية الجشعة. وكذلك قانون حماية المستهلك، فهو ليس إلا غطاء وترقيع لعيوب الدولة وفشل أنظمتها في رعاية شئون الناس وهضمها لحقوقهم الاقتصادية. كما يؤكده ما جاء في جريدة عُمان بتاريخ 2014/03/05 من قيام وفد دولي لرجال الأعمال من مختلف الجنسيات، جلهم من الدول الغربية الرأسمالية، بزيارة لمقر مجلس الدولة والاطلاع على تجربة الشورى في السلطنة وللوقوف على فرص الاستثمار المختلفة فيها. وما ذلك إلا للاطمئنان من أن مجلس الشورى وقرارات مجلس الدولة تسير وفق مصالحهم.


إن من الجهل والتضليل أن يظن ظان إمكانية تطبيق الشورى بالمعنى المراد به شرعا في ظل أنظمة تابعة وخاضعة للغرب في سياساتها تحكم بفصل الدين عن الحياة. فالشورى هي حكم شرعي له تفصيلات تتعلق بتنظيم عملية أخذ الرأي في الدولة الإسلامية في الأمور المباحة. والدولة الإسلامية كان لها نظمٌ ثابتة وضعها النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة واستمر تطبيقها لأكثر من 13 قرنا. وإن إعادة إقامة هذه الدولة والحكم بنظام الخلافة فرض على المسلمين وأي فرض. فعلى من يريد تطبيق الإسلام وتطبيق الشورى عليه أن يطالب بالتحرر التام من هيمنة وسيطرة الدول الكافرة، ويعمل من أجل تطبيق الإسلام كاملا في جميع شؤون الحياة، ولا يكون ذلك إلا بإقامة الدولة الإسلامية، دولة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة.


﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَ‌اطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّ‌قَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾




كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أختكم أم المعتصم

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار