July 22, 2012

خبر وتعليق من مأمنه يوتى الحذر - باكستان

لقد اتخذت القيادتان المدنية والعسكرية في باكستان مؤخرا قرارين يشكلان صورة مصغرة من فساد النخبة الباكستانية التي تقود البلاد إلى حافة الدمار والذل.


أولا :

قرار الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري ترشيح راجا برويز أشرف، المعروف شعبيا باسم "راجا للتأجير"، فإنه يؤكد على عزم رئيس الوزراء ضمن القيادة المدنية متابعة سجل الفساد الذي أصبح الدعامة الأساسية لحكومته، ولطالما سَخِر أقران رجا للتأجير والجمهور الباكستاني منه لسجله البائس بينما كان وزير المياه والطاقة، فخلال فترة ولايته عانت باكستان من النقص والانقطاع الحاد في الطاقة الكهربائية، وبدلا من تأنيبه وطرده من الحكومة، تمت مكافأته من قبل زرداري بتعيينه رسميا وزيرا للتكنولوجيا والمعلومات.


ومع ذلك، فإنّ اتهامه بسوء استخدام السلطة والفساد لم يفارقه يوما، وعلى الأرجح فإنّ أهمية راجا أشرف لزرداري قادت راجا في نهاية المطاف إلى وظيفة أعلى، وأصبح خليفة رئيس الوزراء جيلاني، وقد كان جيلاني قد طرد بشكل فظّ من قبل المحكمة العليا لرفضه فتح ملفات فساد ضد زرداري.


وبالتالي فإنّ ملحمة من الفساد المستشري لم يتم توقيفها لغاية الآن، بل وأعطيت دفعة قوية عندما ابتدع راجا تأجير منصباً لا لزوم له وهو نائب رئيس الوزراء وأعطاه لتشودري برويز الهي - الأب "الروحي" للفساد السياسي، وقد تم ابتداع المنصب كجزء من اتفاق تقاسم السلطة بين زرداري من حزب الشعب الباكستاني "والأخوة تشودري" من حزب الرابطة الإسلامي (Q). وقد كان تشودري برويز الهي عدوا لدودا لزرداري، ولكن الآن هم الرفقاء في فريق الفساد البشع الذي يضم "السيد 10٪"، وراجا تأجير وتشودري الفاسد.


ثانيا :

دشن رئيس أركان الجيش، كياني، حرصا منه على عدم تركه في الخلف، حملته الانتخابية، ليسطر في كتب التاريخ على أنّه الجنرال الباكستاني الأكثر ذلا وفسادا. بعد مرور ثمانية أشهر من المقاومة الشكلية للمطالب الأمريكية لإعادة فتح خطوط إمدادات حلف شمال الأطلسي. وفي المقابل، حصلت باكستان على "اعتذار" من كلينتون، الذي لم يكن اعتذارا بل كان مجرد تعبير عن الأسف عن مقتل جنود باكستانيين ولم تتعهد فيه بمزيد من الدعم المالي لإيصال الإمدادات إلى قوات حلف شمال الأطلسي كما طالبت القيادة الباكستانية في البداية، وقد وصفت هذه الحادثة بأنها انتصار دبلوماسي لباكستان، ولكن الناس ظلوا مندهشين من تطورات الوضع وتساءلوا عن السبب الذي دفع بكياني لتعبيد كل الطرق أمام منظمة حلف شمال الأطلسي للإسراع في شحذ السكاكين لتقطيع أوصال باكستان؟


أما بالنسبة لأمريكا، فقد كانت سريعة في الثناء على عملائها، وتأمل بمزيد من التبعية وتحقيق مصالحها، ففي الأول من يوليو/تموز 2012، دعت وزيرة الخارجية الأمريكية رئيس الوزراء راجا تأجير، وقالت أنّ الولايات المتحدة وباكستان تأملان في تحسين العلاقات بينهما مرة أخرى خلال فترة ولايته، وبعد أسبوع، سعت كلينتون إلى تحسين العلاقات مع الجيش فقالت: "نريد استخدام قوة الدفع الإيجابية التي تولدت عن اتفاقنا الأخير على اتخاذ خطوات ملموسة للحفاظ على الكثير من المصالح المشتركة الأساسية." فمن الواضح أنّ هذا يعني المزيد من ضربات الطائرات بدون طيار، والمزيد من الغارات التي تشنها القوات الأمريكية وتصعيد العمليات العسكرية الباكستانية ضد "المتشددين" المعارضين لاحتلال أمريكا لأفغانستان. وكثير من الباكستانيين يتساءلون الآن كيف يساعد كل هذا بالنظر إلى آخر 10 سنوات من "الزواج" القسري مع أمريكا، وبصرف النظر عن حرب واشنطن التي لا هوادة فيها ضد الإسلام!


إنّ دعم أمريكا للفاسدين والعاجزين من القادة المدنيين والعسكريين، يزيد الجمهور الباكستاني مناهضة للولايات المتحدة. فوفقا لاستطلاع جديد للرأي، نُشر قبل بضعة أسابيع من قبل مركز بيو للأبحاث، أظهر أنّ حوالي 75٪ من الباكستانيين يعتبرون الولايات المتحدة عدواً لهم. بالمقابل فإنّه قبل ثلاث سنوات كانت النسبة 64٪، ووجد الاستطلاع أنّ هناك عددا متزايدا من الباكستانيين يشعرون أيضا أنّ تحسن العلاقات مع واشنطن ليس من الأولويات الرئيسية، وعلاوة على ذلك، فإنّ حوالي 40٪ من الباكستانيين من الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أنّ المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية في الواقع كان لها تأثير سلبي على بلادهم. وأنّ 12٪ فقط يعتقدون أنّ المساعدات الاقتصادية من واشنطن تساعد على حل المشكلات في باكستان. والاستطلاع ذاته وجد أنّ المسلمين في باكستان يريدون دورا أكبر للإسلام في الحياة السياسية، والباكستانيون تحولوا نحو الإسلام لاعتماد حلول بديلة للوضع الحالي، وهذا يعتبر نذير شؤم للقيادة الأمريكية والباكستانية.


من جانبها فإنّ أمريكا إما أنها غير مدركة لهذا الاتجاه نظرا لغطرستها، أو أنّها تعتقد بأنّها قادرة على احتواء الموقف على الرغم من التوجه الباكستاني نحو العصف بها، فليس هناك شك في أنّ النموذج الحالي غير قابل للاستمرار، حتى لو تمكنت باكستان بطريقة أو بأخرى من تطليق أمريكا. إنّها ليست سوى مسألة وقت قبل أن يختار الشعب الباكستاني دولة إسلامية، وسيتم حينها طرد أمريكا جنبا إلى جنب عملائها في البلاد.


عابد مصطفى

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار