September 01, 2013

خبر وتعليق من يفوز بلقب عاصمة الاغتصاب في العالم

الخبر:


تناولت الصحف خبر تعرض مصورة صحافية هندية تبلغ من العمر 22 عاما لحادث اغتصاب يوم الخميس الماضي، في مومباي (أكثر مدن الهند أمانا بالنسبة للنساء) عندما كانت في مهمة صحافية مع زميل لها تعرض للضرب المبرح من قبل المغتصبين الخمسة. وقد أعادت هذه الحادثة إلى الأذهان الاغتصاب الجماعي المروع كانون الأول الماضي في حافلة متحركة في نيودلهي والذي راحت ضحيته متدربة في مجال العلاج الطبيعي. تزامن هذا الخبر مع حادث وحشي تعرضت له امرأة في جنوب أفريقيا في منزلها حيث انتهك فيه عرضها وقتلها الجناة ثم مثلوا بجثتها بشكل تعجز الكلمات عن وصفه، وتعد هذه واحدة من جرائم الاعتداء الوحشي المتكرر على النساء في جنوب أفريقيا وهي حالة مثل 47 896 تم تسجيلها رسميا في العام الماضي (2011-2012) أي بمعدل 132 حالة يتم الإبلاغ عنها يومياً. ذكرت مؤسسة الدراسات الأمنية في بريتوريا (26 آب 2013) أن هذه الأرقام جزء بسيط ومجرد إشارة لحجم المشكلة والحالات التي لا يبلغ عنها كثيرة.


التعليق:


المتتبع لجرائم الاغتصاب الجماعي وحالات الاعتداء والتحرش التي تشتكي منها النساء عبر العالم يلاحظ خطأ النظرة النسوية التقليدية لأسباب الاغتصاب التي تصوره كناتج عن هيمنة الرجال على النساء وأن هذا النمط من العنف ينتشر في المجتمعات التي يختل فيها ميزان المساواة بين الرجل والمرأة. يصورون أن الاعتداء على النساء مرتبط بالموروثات الثقافية والدينية وأن العلمانية والليبرالية تحفظ للمرأة كرامتها وتدمجها في المجتمع بشكل كامل بحيث تكون الشراكة لا السيادة أساس العلاقة مع المرأة. وكلما تم تفعيل دور المرأة في المجتمع كلما ضمنت المرأة حقوقها وحظيت بالاحترام ونالت استقلاليتها. في ظل هذه الأجواء تسعى المرأة بكل ما أوتيت من قوة لنيل نصيبها من التعليم والعمل لكي تحقق الهدف وتحصل على الأمن والأمان محتمية بنماذج مروجة لنساء ناجحات يصورهن الرأي العام كقدوة. ولا شك أن المرأة سواء في الهند أو في جنوب أفريقيا قطعت شوطاً كبيراً في هذا المجال وأصبحت محل غبطة جاراتها في دول أفريقيا وشبه الجزيرة الهندية اللواتي يقفن متحسرات على وضعهن البائس مقارنة بالمرأة في الهند وجنوب أفريقيا. هذه المرأة المتعلمة العاملة التي لم تتأخر في تطبيق النموذج الليبرالي الغربي تصور على أنها نموذج إقليمي يحتذى به.


بالرغم من السعي الحثيث للمرأة في هذه البلاد للمشاركة في النمو الاقتصادي وتفعيل دورها في المجتمع إلا أن العنف ضد النساء وجرائم العرض التي تنفذ بوحشية ظاهرة لا يمكن تجاهلها وأصبحت كل من الهند وجنوب أفريقيا تلقبان بعاصمة الاغتصاب في العالم. ها هي أكبر ديمقراطيات العالم تسجل أعلى معدلات الاغتصاب الجماعي في العالم حتى أصبحت أقصى أماني الفتاة في مومباي أو نيودلهي أن تسير في الشارع دون أن يهددها شبح الاغتصاب فماذا جنت من المكاسب المزعومة؟ المجتمع الهندي يقف أمام المرآة ليرى قبح القيم التي تقوم عليها الدولة وأن الليبرالية أضافت لمعاناة المرأة الهندية الناتجة عن عادات بالية ومعتقدات تنافي العقل والفطرة عادت المرأة وقمعتها. فشلت كل المعالجات وبالرغم من سن البرلمان الهندي قانونا لتشديد عقوبة الاغتصاب، وإقرار عقوبة الإعدام في حالات معينة إلا أن الجرائم الوحشية في ازدياد مخيف.


مع كل جريمة تتعالى أصوات المناشدين للتغيير في المجتمع والمسيرات المنددة بالعنف ضد المرأة حتى ظهر للجميع أن الأزمة في القيم السائدة في المجتمع وفشلها في حماية المرأة لا القوانين التي تطبق على المخالفين والمجرمين. هذا العنف الممنهج ضد المرأة نتيجة طبيعية للهث وراء الحلم الرأسمالي الذي يخرج أسوأ ما في النفس البشرية وأحطه، نتيجة واقع يرى فيه الفقراء والبؤساء غلبة رأس المال في المجتمع وقهر كل قوي لمن هو دونه وتكالب الأقوياء على الضعفاء. العنف الجسدي تجاه المرأة هو نتيجة مفاهيم دونية وتأهيل اجتماعي فاسد تسوده قوانين الغاب ولا قيمة فيه للإنسان إلا بأمواله ونفوذه، سلسلة ملتهبة من الظلم والقهر يبحث فيها كل فرد عن من هو أضعف منه. هذا العنف المبالغ والتمثيل بجثث ضحايا الاغتصاب في جنوب أفريقيا نتيجة اغتصاب شعب وأرض عبر عهد التمييز العنصري (الأبارثايد) حتى انهار المجتمع وأصبحت القوة هي الفاصل والعنف سيد الموقف. وبالرغم من الصورة الإعلامية المتماسكة فقد فشلت المصالحة الوطنية في جنوب أفريقيا في معالجة شق عميق يحتاج لعلاج للجذور بدلاً من الاهتمام بتلميع أوراق الشجر. ذكر تقرير لمجلس البحث الطبي في جنوب أفريقيا (2009) أن واحداً من أربعة من الرجال في جنوب أفريقيا يقرون بارتكاب جريمة اغتصاب وأغلبيتهم ارتكبوا أول جريمة في فترة المراهقة كما ذكر التقرير أن جرائم الاغتصاب الجماعي ينظر لها كمظهر من مظاهر توثيق الروابط بين الشباب. الاغتصاب حدث يومي يتعايش معه الجميع لدرجة أن الضحية لا ترى جدوى من الإبلاغ عن الحادث وقد تناولت الصحف الجنوب أفريقية في العام الماضي حادثة امرأة فرت من بيتها في منتصف الليل بعد الاعتداء عليها ووصلت بعد عناء لمركز الشرطة لتبلغ عن الحادث فاغتصبها الضابط المناوب. إن مثل هذه الأوضاع لا تعالج بقوانين ولا تردعها هيبة دولة أياً كانت هذه الدولة بل تحتاج لما هو أقوى من القانون، تحتاج لبصيص أمل بعد أن وصلت طريقاً مسدوداً لن ينفع معه أي ترقيع، تحتاج لوقفة ومراجعة، تحتاج لميثاق يستند إلى نظرة كلية للكون والحياة والإنسان (بغض النظر عن كونه ذكراً أو أنثى)، تحتاج لنبذ الرأسمالية والليبرالية البغيضة التي عكست نظرية داروين فانحطت بالإنسان الذي كرمه الله إلى درك الحيوان.


إن هذه المجتمعات وغيرها بحاجة لأنظمة ربانية تحفظ حق الضعيف قبل القوي ويستشعر المرء فيها عظمة خالق الكون ومدبره فيكون باعثاً على قمع الشهوة في النفس ودرئها عن تجاوز الحد، وبدلاً من الحرية العبثية يخاف الله ويتقيه وتنقاد جوارحه لكل ما يرضيه عز وجل، يخاف الحرام خوفه من الهلاك حياءً من الله وامتناناً على آلائه ظاهرها وباطنها، قال ابن سيرين: "إني أرى المرأة في المنام فأصرف بصري عنها". ما أحوج الإنسانية لمجتمع يحث على الفضيلة والتراحم تُنظم فيه علاقات الرجال والنساء بنظام من لدن خبير لطيف ويُنشئ الطفل على تعظيم حرمات الله وتُغرس فيه قيم العفة منذ نعومة أظفاره فُتحارب مقدمات الإثم وتشنع في المجتمع حتى تكون العين مُسخرة لطاعة الله ولا تجرؤ على محارمه فإن ابتلي أحدهم بالحرام كان مصاباً جللاً، يغضب لحرمات الله كل مسلم، بل ويكره فعلته أهل ذمتنا ينكرونه كما ننكره، ويشجبه كل ذو عقل وفطرة سليمة، وتطبق حدود الله جزاءً بما فعل نكالاً من الله وموعظة للمتقين. إن أمثال هذه الشعوب المغلوبة على أمرها لا علاج لجراحاتها سوى الإسلام الذي بعثه الله رحمة للعالمين فلا عجب من تهافت غير المسلمين للعيش تحت ظل دولة الخلافة الإسلامية أيام كانت لنا دولة.


((الر‌ ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِ‌جَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ‌بِإِذْنِ رَ‌بِّهِمْ إِلَىٰ صِرَ‌اطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ))



كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار