September 30, 2013

خبر وتعليق مناقشة صعبة مع أخ من جماعة الإخوان المسلمين "مترجم"


الخبر:


أراد جمهور من مسلمي ديربي، وهي بلدة صغيرة في وسط إنجلترا، أن يطرح أسئلةً على لجنة حوارية بشأن الوضع في مصر وسوريا، وما هو موقف حزب التحرير بخصوص ثورة سوريا؟ وهل طلب النصرة فكرة واقعية؟ وما هي الدروس التي يمكن تعلمها من الإطاحة بالدكتور مرسي؟ وهل الديمقراطية هي الطريق إلى الأمام بعد الإطاحة بالدكتور مرسي؟ وهل فشل الإسلام السياسي في مصر؟ لذلك فقد وجهوا الدعوة لي، وللأخ يحيى نيسبت (معتنق للإسلام، والذي كان قد سجن ظلمًا في مصر خلال حكم مبارك بتهمة الانتماء إلى جماعة تدعو إلى الخلافة)، ولطبيب مصري من جماعة الإخوان المسلمين.

التعليق:


كنت أعرف أن مثل هذا الجمهور سوف يطرح أسئلة محددة وصريحة جدا لنا جميعا، بمن في ذلك أخونا من جماعة الإخوان المسلمين. والواقع فإن أول سؤال وجّه لأخينا من جماعة الإخوان المسلمين كان حول ما إذا كانت هناك إخفاقات وأخطاء أثناء حكم الدكتور مرسي، وما هي الدروس التي يمكن تعلمها؟


وقد اعترف الطبيب بأنه حدثت هناك بعض الأخطاء، ولكنه بعد ذلك أدلى أيضا بنقاط تتعلق بالمعارضة التي واجهها الدكتور مرسي، وطبيعة التخطيط الجيد للانقلاب الذي تم، وحقيقة أن كل شيء لا يمكن أن يتحول إسلاميًا بين عشية وضحاها. ونادى بالأخذ بنهج التدرج والذي هو نهج إخواننا في جماعة الإخوان المسلمين كما هو معروف، مستشهدا بقول نبينا عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بحلف الفضول وغيرها من المسائل. لم يكن هذا النهج والأدلة التي استشهد بها، جديدًا علينا، فقد واجهناها منهم على مر السنين الماضية. وبعد الاستشعار عن الجمهور في دربي، شعرت أن هناك تحديا بالنسبة لنا. فمن جهة، كيف نجعل الجمهور يقدّر أن حكومة الدكتور مرسي قد ارتكبت بعض الأخطاء من قبل، وأن علينا جميعا أن نتعلم من تلك الأخطاء ونحن نمضي قدمًا، وفي الوقت نفسه التأكد من أن لديهم وضوحًا تامّا من أن الانقلاب الذي قام به السيسي لا يمكن دعمه بأي شكل من الأشكال، وأن قتل المسلمين الذين عارضوا الانقلاب الذي تدعمه الولايات المتحدة هو خط أحمر وحرام شرعا، بغض النظر عن رأي أحدنا في النهج أو الأخطاء التي ارتكبتها حكومة الدكتور مرسي. مع الأخذ في الاعتبار أن جميع هذه النقاط يجب أن يشار إليها مع الاعتراف بأن الكثيرين في جماعة الإخوان المسلمين قد ضحوا بحياتهم واستشهدوا في رابعة العدوية ومدينة نصر.


ومع تدفق الأسئلة، كنا نحن الثلاثة في اللجنة متفقين على العديد من النقاط المتعلقة بمصر وسوريا. ولكن في ما يتعلق بالطريق قدمًا، فقد كان بيينا اختلاف كبير على الدعوة المستمرة إلى "الديمقراطية" في مصر من قِبَل بعض إخواننا في الإخوان المسلمين. وتساءل أحدهم في الغرفة عما إذا كانت الديمقراطية يمكن أن تكون وسيلة لإعادة الإسلام إلى واقع الحياة، فأجاب الأخ من جماعة الإخوان المسلمين بأن المهم هو معنى الأشياء، وأنه لا ينبغي علينا أن نقف عند مصطلحات الألفاظ. بينما قال الأخ يحيى، أنه علينا أن نتجنب مصطلح "الديمقراطية" لأنه غير دقيق ويتنافى مع الإسلام، واستخدامه لا يزيد سوى التشويش والخلط عند الناس.


هذا الذي حصل، جعلني أفكر في ما واجهناه في بلدان أخرى عندما يستخدم بعض المسلمين كلمة "الديمقراطية". فيستخدم البعض كلمة "الديمقراطية"، ظانًّا أن ما تعنيه هو الحق في إجراء انتخابات لاختيار حاكم بدلا من الحاكم المفروض عليهم كمبارك، والقذافي، وآل سعود وغيرهم. بينما يعرف آخرون أن الواقع الحقيقي لكلمة "الديمقراطية" هو أكثر من مجرد إجراء انتخابات لانتخاب حاكم، بل يشمل كذلك وجود هيئة مثل البرلمان أو مجلس النواب الذي يشرّع القوانين والتي يتم من خلالها تسيير شؤون المجتمع.


إن مثل هذا التشريع يتعارض مع الشريعة الإسلامية، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى هو المشرع، وأن المطلوب من الحاكم المسلم (الخليفة) هو تبني الأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة وما أرشدا إليه وتطبيقها في الدولة والمجتمع. انتهى بنا النقاش إلى استكشاف ما الذي يقصده الناس بالتحديد عندما يستخدمون كلمة "الديمقراطية".


وفيما يتعلق بمصر، فقد أوضحت أنه مع كوني معارضًا لانقلاب السيسي، فإنني أعارض أيضًا الدعوة إلى عودة الدكتور مرسي لرئاسة النظام "الديمقراطي". فبدلًا من الدعوة للديمقراطية، فإنه ينبغي علينا أن ندعو إلى نظام الخلافة الإسلامية، التي تجعل الحق للأمة في تعيين من يحكمها. إننا نحن الناشطين الإسلاميين، من أي حزب أو حركة كنّا، في حاجة الآن أكثر من أي وقت مضى، للدعوة إلى نظام الخلافة، وأن نشرح ذلك للأمة كي يدعموه بوعي وقناعة؛ حيث إنه النظام الذي كلفنا الله سبحانه وتعالى بتطبيقه، وأن هذا هو النظام الوحيد الذي يمكن أن يعالج جميع المشاكل التي يواجهها الناس في العالم الإسلامي. فعندما يفشل هذا الانقلاب الحالي، فإن الأمة تستطيع أن تعود مرةً أخرى إلى ما تعتقده وإلى نظام ربها سبحانه وتعالى.


إنه وإن كان لدينا في لجنة النقاش بعض نقاط الاختلاف، إلا أننا اتفقنا على نقاط كثيرة، لقد كانت هذه حقًا واحدةً من أكثر المناقشات المثمرة التي خضتها في الدعوة. لماذا؟ أعتقد أن واحدًا من العوامل الرئيسية هو أن اللجنة والجمهور اختلفوا في جو من الأخوة الإسلامية. فكانت أخلاق وآداب الطبيب من جماعة الإخوان المسلمين إسلامية للغاية، حتى على الرغم من أننا جادلنا وناقشنا، إلا أنني شعرت أن هذا كله قد تم بإخلاص، وبأحاسيس مرهفة، وبأسلوب منفتح يسعى إلى تحقيق الخير لأمتنا في سوريا ومصر.


نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزي خيرًا منظمي هذا الحدث، والأخ الطبيب من جماعة الإخوان المسلمين وأخي يحيى نيسبت، نأمل وندعو أن تستمر مثل هذه التفاعلات الصريحة كوسيلة لرفع مستوى الوعي حول نظام الخلافة.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
تاجي مصطفى
الممثل الإعلامي لحزب التحرير في بريطانيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار