March 09, 2010

خبر وتعليق مناظرة حول التعذيب تبين سؤال الغرب قيمه المتبناة

قال رئيس الوزراء السابق توني بلير باختصار في رده على تفجيرات يوليو من عام ألفين وخمسة في لندن: "ليعلمَ الجميعُ وبدون أي شك، أن قواعد اللعبة تتغير". أما الآن، وكما تنزل حكومات الغرب من القيم والقوانين التي كانوا دائما ينادوا العالم بوجوب قَبولها، فإن المعنى الحقيقي لهذه النداءات أصبحت الآن أكثر وضوحا.

فاليوم، نرى مجموعة من النقاشات المحتدمة المتعلقة بتواطؤ وتورط الحكومة البريطانية في تعذيب المحتجزين في خارج المملكة المتحدة. حيث قد تحدث الكثير من المحتجزين السابقين عن أسلوب التحقيق المنضوي على التعذيب الذي كانت تجريه وكالات الاستخبارات البريطانية في الخارج. ومنذ أيام قليلة ماضية، كان قرار المدعي العام للملكة المتحدة، البارونة سكوتلاند، أن أجهزة الاستخبارات البريطانية لن يحقق معها في صلتها في التورط في التعذيب للمحتجزين في الخارج، فيضيف هذا للانطباع الواضح أن مثل هذا النشاط السيئ وغير القانوني أصبح الآن متغاضى عنه رسميا على أعلى المستويات وأن الدول الغربية هم فوق القانون، هذا بالرغم من الدليل المقدم من محتجزين بريطانيين سابقين في غوانتنامو وباكستان وأفغانستان ومناطق أخرى.

وقد بين قرار محكمة الاستئناف البريطانية 26-02-2010 أن المعاملة السيئة للمواطن البريطاني بينيام محمد، تمت على علم من أجهزة الوكالات السرية البريطانية، وأن محكمة أمريكية توصلت إلى قرار أن السلطات البريطانية قد "سهلت المعاملة السيئة والتعذيب" لمحمد عندما كان في الحجز الأمريكي.

 وقبل بضعة أيام، ظهر اثنين من أبرز المفكرين الغربيين في أحد البرامج الإخبارية المحترمة في قناة البي بي سي، ظهرا معا في مناظرة عن إمكانية تبرير استخدام التعذيب في بعض الأحيان. وقد كرر بروفيسور القانون من جامعة هارفارد ألان دِيْرْشُوِيذز حججه المعروفة. ففي مقال سابق له بعنوان "تريد التعذيب؟ فاحصل على أمر قضائي" ناقش فيه داعما استخدام "الأمر القضائي للتعذيب": حيث هو أمر من المحكمة للسيطرة على ما يسميه ديرشويذز؛ استخدام للتعذيب من قبل جهاز التنفيذ القضائي الأمريكي الذي "لا مفر منه". ويدّعي البروفيسور أن التعذيب هو دستوري، ويقول أن تصديقه بأمر قضائي يجعله أكثر محاسبة وشفافية. ويقول "إن كنا نريد أن نستخدم التعذيب، فلا بد من ترخيصه قانونيا".

ومن الجهة أخرى، يناقش البروفيسور فيليبس ساندس، المحامي والبروفيسور في القانون العالمي، أن التعذيب خطأ من أصله، وأنه لا ينفع، لأن المعلومات التي يحصل عليها في الغالب غير موثوقة لأن ضحايا التعذيب سوف يخبرون بما يريد معذبوهم أن يسمعوه وذلك لكي يتوقف عنهم التعذيب. وخلال المناظرة، طرح مثال عن ما إذا كان هناك قنبلة تدق وأنها على وشك أن تنفجر وأن المشتبه به قد يعلم أين القنبلة، فهل يجب تعذيبه؟ وانتقل النقاش إلى لو أنه لم يخبر السلطات أين هي، فحينها ربما تعذب زوجته وأطفاله ليرغم على الحديث لإنفاذ المجتمع! وسأل سائل ماذا عن تعذيب المجتمع الذي هو منه؟ ومع متابعة النقاش، فإنك تتصور أن هذا هو المنطق المتبع من قبل النظام السوري والمصري، الذين يعتقلون ويعذبون أفراد العائلة عندما يحاولون اعتقال فرد منها، وبالرغم من ذلك تجدها ينظر فيها في ديمقراطيات الغرب.

نقاش مثل هذا، الذي قد يجري بين مفكرين غربيين من المستوى الرفيع في برنامج في القناة الوطنية البي بي سي في بريطانيا، يبين كيف يجري مثل هذا النقاش على العامة، ويبين كم ستبقى هذه القيم السابقة المقدسة قبل أن تنحل في الغرب تحت حجة علاج ما يسمونه بـ"الإرهاب". لقد أوصلت مناظرات شبيهة للمذكورة إلى قبول استهداف المجتمع الإسلامي بقوانين خاصة لمكافحة الإرهاب، وقبول قمع أصوات المسلمين المعارضة، وعدم الاكتراث في مقاضاة مسلم يحمل وجهات نظر عن الدفاع عن أراضي المسلمين.

أوليس الأصل أن نشهد نهاية التاريخ؟ ألم تحل الرأسمالية العلمانية المتحررة مثل هذه الأسئلة الأساسية وخلصت أن المجتمع المتحضر عليه أن لا يستخدم التعذيب أبدا؟ إن الواقع الحقيقي يبين أن هناك مناظرة أساسية في الغرب عن إن كانت هذه المسماة بـ"القيم العالمية" تحتاج لأن تغير.

 إن هناك أزمة انفصام في الهوية الأصلية في الغرب. من جهة تجد مطالبة قوية لالتزام المبدئي بحقوق الإنسان، بينما يثبت الواقع أن حقوق الإنسان المثالية من السهل إزاحتها جنبا من أجل مصالح ضيقة. في الواقع، إن المعتقد القديم في أن "القوة هي الحق" هي التي تحمل القيادة الحقيقية. فلو كان لدى الغرب أي ثقة في المبادئ التي ينادون بها، لكانوا بالتأكيد سيلزمون بقوانينهم الخاصة التي يسمونها "عالمية".

إن التفسير البديل والعقلي والوحيد لهذا التناقض هو أن مؤسسات الحكم تعلم أنها غير قادرة على التمسك بهذه المثل، في الوقت الذي يجيزوا فيه التعذيب في الخارج، ولكنهم يسعون للحفاظ على المسرحية التي أعدوها، لأجل إبقاء الأفراد المعنيين من عامة المجتمع سعداء لفترة من الزمن.

إن ادعاء الغرب أن "هناك حرب في داخل الإسلام" وأن المسلمين لا يستطيعون أن يتفقوا على مبادئ ينظمون بها المجتمع في بلادهم. فإن هذا ادعاء زائف. إن النقاش الدائر في أراضي المسلمين هو بين المفتونين بمثل الغرب- التي هي في انحلال- وبين الذين يدعون إلى تطبيق الإسلام الذي لا تتغير مبادئه من مثل توزيع المال، ومنع التعذيب وغيرها. وعلى النقيض، فإن النقاش المستمر في المملكة المتحدة والولايات المتحدة عن التعذيب يبين أن الناس في الغرب فعلا هم من يعيد النظر في مبادئه التي منذ زمن تصوروا أنها "عالمية" ولكنها الآن أصحبت متآكلة-تحت شعار محاربة الإرهاب.

تاجي مصطفى

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار