September 04, 2012

خبر وتعليق مرسي يعمل على إخضاع مصر لشروط صندوق النقد الدولي


في الأسبوع الماضي، توسلت حكومة مرسي إلى صندوق النقد الدولي رسميا للحصول على قرض قدره 4.9 مليار دولار، وقال رئيس الوزراء المصري، هشام قنديل أنّ القرض سيتم تسديده خلال خمس سنوات بمعدل فائدة 1.1٪. وكان قد ظهر على الهواء مباشرة على التلفزيون الرسمي في محاولة يائسة منه لتبرير القرض من خلال شرح فوائده للشعب، بالرغم من أنّه يعرف جيدا أنّ صندوق النقد الدولي هو مصاص لدماء الشعوب، ويعزز من اقتصاد القوى الغربية ويدعم الحكام المتحالفين مع الغرب فقط، فعلى الرغم من معرفته لجميع ما تقدم فقد اختار أن يؤكد على عكس ذلك مدعيا أنّ مصر سيكون لها اليد العليا في كيفية إنفاق المال المقترَض من صندوق النقد الدولي، حيث قال: "مصر هي التي سيكون لها السلطة عندما يتعلق الأمر بكيفية إنفاق هذه الأموال" لكنه مع ذلك لم يتمكن من إخفاء الحقيقة وتابع في كلامه وناقض نفسه بالتأكيد على أحد شروط صندوق النقد الدولي المنصوص عليها، وهو إجبار حكومة مرسي على خفض الإنفاق المتعلق برعاية شؤون الشعب المصري، فقال: "إنّه برنامج مصري سيعمل على خفض الإنفاق واتخاذ تدابير أخرى معينة"، وخوفا من رد فعل عنيف، اختار قنديل عن عمد عدم ذكر الشروط الصارمة الأخرى، ولكن من المعروف جيدا أنّ هذه الشروط هي: رفع الضرائب وزيادة الأسعار على المواد الأساسية، والمزيد من القروض من المؤسسات الأخرى، وكلها أمور تجعل الناس يعانون كثيرا وتضيف مزيدا من البؤس على بؤسهم، وفي الواقع فقد أكدت صحيفة فاينانشال تايمز هذه التدابير، ففي 22 أغسطس 2012، ذكرت الصحيفة "يريد صندوق النقد الدولي من مصر رسم خطط لخفض العجز في الميزانية من خلال تعزيز الإيرادات وتقليص كلفة القطاع العام، بما في ذلك وقف دعم الوقود والغذاء، ويجب أيضا على مصر تأمين تمويل مؤسسات الإقراض الأخرى كجزء من شروط القرض"، أنهى قنديل البث المباشر من خلال عبارات لا لبس فيها تدل على أنّ مصر وشعبها سيصبحان رهينة لشروط صندوق النقد الدولي المذلة على مدى السنوات الخمس المقبلة، حيث قال: "على كلا الطرفين الاتفاق على شروط وأحكام معينة، وهذه الشروط والأحكام ستكون ملزمة للبلاد عند التوقيع على هذا القرض".


وهكذا فإنّه في غضون عشرين يوما منذ توليه منصبه، بدد قنديل آمال الشعب المصري الذي كان يتوقع الكثير من الإغاثة بدلا من عقود من القمع تحت الحكم الاقتصادي إبان مبارك، بالإضافة إلى ذلك، فقد قوّض قنديل بشكل خطير سيادة مصر الاقتصادية من خلال التأكيد على استمرار تدخل صندوق النقد الدولي واسع الانتشار في اقتصاد البلاد، تماما كما كان يتصرف في عهد مبارك، في حين نهى الشرع الحنيف عن إعطاء الكافر والقوى الدولية سلطة على مؤسساتنا المالية، والسماح للكفار بالتدخل في وضع سياستنا الاقتصادية وتنفيذها لاحقا. قال الله تعالى: {...وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}.


إلى جانب ذلك، فإنّ مصر ليست في حاجة إلى أي قروض أو مساعدات اقتصادية، ولنا أن نسأل مرسي وقنديل، ماذا حدث للسبعين مليار دولار التي اغتصبها مبارك وأسرته من الشعب، فما هو سبب سكوت نظام مرسي عن استرداد المسروقات المنهوبة والتي تعود إلى الشعب المصري، بدلا من أن تمد يد التسول لقروض صندوق النقد الدولي المذلة؟


وفي الوقت الذي بان فيه تخييب نظام مرسي لآمال المسلمين وقد أصبح ذلك أكثر وضوحا للشعب، فإنّ أصوات الداعمين لمرسي من الجماعات الإسلامية في أخذ قرض من صندوق النقد الدولي أمر مخيب للآمال أيضا، حيث حاول ياسر برهامي نائب رئيس الحركة السلفية إضفاء الشرعية على الربا، أي على قروض صندوق النقد الدولي، حيث قال أنّ فرض الفائدة على القروض المصرية من صندوق النقد الدولي ليس ربا، لأنّ الفائدة على القرض هي فقط 1.1 في المائة، وتدفع على شكل رسوم إدارية، لذلك فإنّه يمكن اعتبار القرض منحة، وكان يسري حماد، المتحدث باسم حزب النور السلفي، قال في السابق بأنّ الفائدة على قرض صندوق النقد الدولي جائزة شرعا لأنّها تكون على شكل رسوم إدارية! وهنا نسأل برهامي وحماد: لماذا يحاولان وصف الربا (بصرف النظر عن ضآلته) بالحلال بينما الله ورسوله يحرمانه، حيث قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} و {عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لَا تَصْلُحُ سَفْقَتَانِ فِي سَفْقَةٍ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ}.


يا مسلمي مصر! في غضون السبعين يوما الأولى من حكم مرسي، شهدتم توجه حكومة مرسي نحو دعم الهيمنة الأمريكية في مصر، فضلا عن تجاهله للأحكام الشرعية، فالإنجازات القبيحة لنظام حكمه هي: تأكيد السلام مع دولة يهود وتعزيز أمن يهود من خلال هدم الأنفاق التي توفر الإمدادات الحيوية إلى غزة، وتوظيف قوة عسكرية جديدة لحماية المصالح الأمريكية من الثورات المستمرة من المصريين، وتعيين امرأة نصرانية كأحد بطانته المقربين، وإخضاع البلاد لشروط صندوق النقد الدولي المشين وإضفاء الشرعية على الربا. إنّ السرعة المذهلة التي تم الكشف فيها عن موالاة مرسي للولايات المتحدة سرعان ما ستتجاوز إنجازات نظام مبارك.


يا مسلمي مصر! إنكم لن تتمتعوا برخاء اقتصادي طالما أنتم صامتون عن تطبيق قوانين غير إسلامية وإن ألبست لبوس الإسلام. قال الله تعالى:{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}.


يا مسلمي مصر! إنّ خلاصكم الوحيد يكمن في الرفض المطلق للنظام القائم وإصلاحات مرسي المؤيدة للولايات المتحدة، وللقيام بذلك، يجب مضاعفة الجهود لإعادة إقامة دولة الخلافة الراشدة على أرض الكنانة، فإنّه في ظل الخلافة فقط تتمكنون من التمتع برخاء اقتصادي حقيقي من خلال استخدام النقد المغطى بالذهب والفضة، وتتمتعون بحصتكم من الممتلكات العامة التي على الدولة إدارتها لصالحكم، وحماية ممتلكاتكم الخاصة من خلال العقود الشرعية، وعلاوة على ذلك، فإنّه بالنسبة لأولئك الذين هم غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والكساء والمأوى، فإنّ الخلافة سوف تضمن لهم هذه الاحتياجات.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }


أبو هاشم البنجابي

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار