خبر وتعليق   نفسيتنا عندما نردّ على مهاجمة المسلمين   (مترجم)
April 30, 2014

خبر وتعليق نفسيتنا عندما نردّ على مهاجمة المسلمين (مترجم)


الخبر:


حينما يبدأ شخص، لا يسأل في العادة عن الهجرة، بطرح الأسئلة عما إذا كان قد حان الوقت للهجرة من بريطانيا، تعرف أنهم بدأوا بالفعل يشعرون بسخونة الوضع. لقد شهد الأسبوع الفائت، بل قُل الشهور القليلة الماضية، حملة غير مسبوقة من الهجمات على الإسلام والمسلمين هنا. فما إن يعبر المسلمون عن ردة فعلهم على مسألة ما، حتى تنفجر عاصفة إعلامية هوجاء بشأن قضية أخرى واصفةً المسلمين بأنهم بربريون، و"متطرفون"، ويستولون على المدارس، ويضطهدون النساء، وذلك إلى جانب سيل من الاتهامات المغرضة الأخرى. فها هي أكثر من عشرين مدرسة حكومية في بيرمنغهام تتعرض حالياً لعمليات تفتيش طارئ من قبل الحكومة، وذلك على خلفية اتهامات بأن أولياء أمور الطلبة حاولوا إقحام وفرض بعض القيم الإسلامية في المدارس التي تضم مجموعات كبيرة من الطلبة المسلمين. وربما تسأل: ما هي هذه القيم؟ حسناً، من بينها مثلاً إجلاس الفتيان والفتيات على مقاعد منفصلة عن بعضها في غرفة الصف، ومرافق منفصلة للفتيان والفتيات عند تبديل الملابس في حصص التربية البدنية (الرياضة)، والأطعمة الحلال، وبعض النصائح الإسلامية عند تجمع طلبة المدارس مع بعضهم بعضا.


كما شنت الشرطة قبل بضعة أيام حملة استهدفت النساء المسلمات في البلاد كلها تطلب منهن إبلاغها عن الأبناء أو الأزواج الذين قد يكونوا يفكرون في الذهاب إلى سوريا لتقديم المساعدة للشعب هناك، أياً كان نوع هذه المساعدة. وحينما سئلت الشرطة عن هذا الأمر، اعترفت صراحة بأن هؤلاء الأبناء أو الأزواج يمكن أن يُعتقلوا ويقدموا للمحاكمة ويُدانوا ويُسجنوا مدى الحياة. فمرحى لبريطانيا القرن الـ 21. ويضاف إلى ذلك الجدل المتواصل بشأن جلوس الرجال والنساء بصورة منفصلة أثناء الفعاليات التي تنظمها الجمعيات الإسلامية في الجامعات، وغيرها من الأمور الأخرى الكثيرة التي تتعلق بالأطفال وأولياء الأمور المسلمين والجمعيات الخيرية الإسلامية والمساجد والأفراد المسلمين في طول البلاد وعرضها.

التعليق:


من الواضح أن ما نواجهه من ضغط لا يفتر ما هو إلا محاولة مسعورة، وتستخدم شتى الوسائل، للضغط على المسلمين من أجل التخلّي عن المعتقدات والممارسات الإسلامية الأساسية التي يرون أنها لا تتوافق مع القيم العلمانية الليبرالية، أو أنها تتعارض مع السياسة الخارجية للحكومة البريطانية في بلاد المسلمين.


إن هذه الأجواء هي التي جعلت البعض يبدأ في طرح الأسئلة عن موضوع الهجرة. لكن هذا الحل بالنسبة للغالبية العظمى من المسلمين ليس حلاً واقعياً ولا هو قابل للتنفيذ. وقد نظمتُ في الآونة الأخيرة نقاشاً ركزتُ فيه الحديث على الكيفية التي يتعين على الناشطين المسلمين في مجتمعنا الاستجابة بها لهذه الهجمات على نحو يكسب المسلمين هنا الثقة اللازمة للتعامل معها.


إنه لا ينبغي، بل لا يجوز، لنا كيل الاعتذارات ووضع الإسلام في موقف دفاعي، لأن ديننا جاء من عند الله سبحانه وتعالى العليم الخبير. إنه الدين الذي جاء بمكارم الأخلاق، ويقدم الحلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، بل ويرشد المسلم إلى التعامل مع غير المسلمين بأفضل صورة.


كما لا ينبغي لنا مواصلة الشكوى من سوء الأوضاع بالنسبة للمسلمين والتوقف عند هذا الحد، دون محاولة تغيير هذه الأوضاع. إذ إن هذا السلوك، من ناحية نفسية، يمكن أن يجعل الناس يشعرون بأنهم لا حول لهم ولا قوة، فيحمّلون أنفسهم هم المسؤولية عما يحدث، لأن البعض يجدون من السهل مواصلة التبرُّم والاكتفاء بترديد عبارة "إنهم يهاجموننا، إنهم يهاجموننا". والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف نستجيب لذلك على نحو يبين للمسلمين أن هؤلاء الذين يهاجموننا لا يوجد لديهم ما يقدّمونه؟ وأنهم فقدوا كل أمل وهم يرون المسلمين يتزايد عددهم كل يوم، لكنهم في مجموعهم، بالرغم من كل المشاكل التي تواجههم، يزدادون تمسكاً والحمد لله بأحكام الإسلام والقيم الإسلامية.


كذلك يتعين علينا أن ندرك أننا مجتمع يملك الحلول لمشكلات التفكك الأسري، والفراغ الروحي، والأزمة الاقتصادية المتصاعدة، والخواء الأخلاقي، وغيرها من المشاكل التي تعصف بالمجتمعات الغربية. وذلك لأننا نؤمن بالوحي والرسالة السماوية التي تحتوي على هذه الحلول. وعلينا أن ندرك أيضاً أن مهمتنا بصفتنا مسلمين في الغرب هي أن نكون سفراء للإسلام نحمل ونبلّغ هذه الحلول الإسلامية إلى أفراد المجتمع الأوسع، الذين يحاول البعض في وسائل الإعلام والحكومات تسميم عقولهم وتحشيدهم ضد الإسلام والمسلمين من خلال هذه الهجمات المتواصلة.


من هنا، وبهذه التركيبة العقلية، فإننا سننظر إلى هذه الهجمات على أنها فرص أتيحت لنا كي نبرز الحلول التي يقدمها الإسلام للجمهور الأوسع من المجتمع الذين يجهلون ما يقدمه الإسلام من خير للبشرية إلى حدٍ كبير. ومن شأن الاستجابة على هذا النحو أن تساعد إن شاء الله على تطوير نفسية تولِّد لدينا الثقة اللازمة وتجعلنا مبادرين إيجابيين في مواجهة هذه الهجمات التي لا تنقطع. صحيح أن هذا النهج تعترضه عراقيل ومعوقات عديدة، وعلى رأسها حقيقة أن الكثير من المسلمين أنفسهم لا يعرفون أو يفهمون الحلول التي قدّمها الإسلام على وجهها الصحيح. لكن جهودنا وجهود الناشطين الإسلاميين الآخرين كفيلة بإذن الله بالمساعدة على السير قُدُماً في هذا الاتجاه.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
تاجي مصطفى
الممثل الإعلامي لحزب التحرير في بريطانيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار