March 09, 2012

خبر وتعليق نشيد كيان يهود يُعزف في القاهرة

الخبر :

تناقلت وسائل الاعلام اليهودية إن أول سفير لكيان يهود في مصر منذ إسقاط الرئيس حسني مبارك في مطلع العام الماضي بدأ مهام عمله رسميا في خطوة تستهدف استمرار العلاقات بين البلدين. وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن السلام الوطني الإسرائيلي عزف في مراسم في بالقاهرة التقى فيها سفير كيان يهود مع المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يدير شؤون مصر منذ الإطاحة بمبارك. وفي نقس الصدد ذكرت مصادر في حكومة كيان يهود في اول فبراير/شباط أناسلاميي مصر، يتخذون موقفا براغماتيا بشأن العلاقة مع (إسرائيل)، موضحة أن النية لديهم تتجه نحو الحفاظ على معاهدة السلام مع (إسرائيل) وفي الوقت نفسه رفض تطبيع العلاقات معها.

التعليق :


لقد أطاحت الثورات بطغاة كانوا بالنسبة لأميركا وأوروبا بمثابة أدوات تنفيذية لسياساتهما في المنطقة. وان عجز أميركا وأوروبا عن التصدّي لهذه الثورات وإجهاضها الجأهما لتملّق تلك الثورات وإعلان الانفتاح على الحوار مع القوى السياسية الجديدة وفي مقدّمتهم ما يسمى بالاسلاميين. وبعدما شهدت أميركا وأوروبا تهافت القوى الجديدة في الانفتاح على الغرب، اخذتا تتساءلان عن موقف تلك القوى من تطبيق الشريعة الاسلامية وموقفها من المعاهدات الدولية ومن كيان يهود واتفاقية كامب ديفيد وغيرها من الاتفاقيات, وذلك في محاولة لاستدراج التنازلات المسبقة من القوى السياسية الجديدة قبل وصولها الى سدة الحكم. وكرد على التساؤلات الغربية، خرجت أصوات تؤكد احتراَم المعاهدات والاتفاقات وتتحدث عن هدنة طويلة مع كيان يهود، وتطمئن الغرب بانها معتدلة، وتؤيد الدولة المدنية. فلا تريد منع الربا و تداول الخمور ولن تسعى الى تطبيق انظمة الاسلام في الحكم والاقتصاد... كل ذلك بحجة ان المرحلة الجديدة تقتضي هذا الامر، ذلك العذر الذي سبق أن قدّمه الطغاة المخلوعين لتبرير انصياعهم لأوامر الغرب. لقد بدا واضحا الان ان بعض القوى الجديدة تعاني نفس الامراض التي تفشت في عقول القوى القديمة من براغماتية و واقعية، الأمر الذي يدفعهم الى استرضاء الغرب وتقديم التنازلات، اما تجاهلا لحرمة ذلك شرعا او التفافا على النصوص الشرعية لتبرير تنازلاتهم.

اما تلك القوى فلا زالت غير مدركة ان هذا الانفتاح على الغرب هو انتحار سياسي على الرغم من ان الطغاة المخلوعين سبقوها اليه ولم ينفعهم في مواجهة ثورات شارع ادرك عمالتهم للغرب. فبدلا من تقديم التنازلات كان الاولى التأكيد على أن حقبة الانظمة السابقة يجب أن يُعاد النظر فيها امتثالا لرغبة الشارع، خاصة بعدما ادرك هذا الشارع ان العداء هو سمة من سمات سياسة أميركا والغرب في العالم الاسلامي، حيث كان المطلوب، ولم يزل، أن تقوم العلاقات على أساس الاستعمار والمستعمرات او السيد والاتباع او العملاء. لقد حان الوقت لتعي القوى السياسية ان القوة الفعلية التي تحميها و تحمي النطام، أي نظام، لا تكمن في الغرب، بل في الشارع والرأي العام، الأمر الذي اثبته هذا الشارع بقدرته على الاطاحة بافظع طغاة هذا العصر، رغم انف اسيادهم في الغرب.

ثم ان سياسة الانفتاح على الغرب واستمداد العون منه لا تليق بقوى سياسية تسعى الى تمثّيل الثورات والشارع في المرحلة الراهنة، فهذه السياسة ميزت القوى القديمة التي طالما مثلت على الشارع ـ بل ومثلت به ـ في سبيل ارضاء الغرب. وبالاضافة الى ذلك فإن هذه السياسة تحفظ للغرب نفوذه وتتيح له التدخل في العملية السياسية والشؤون الاقتصادية في حقبة ما بعد الثورة، فتضعف الثورة وتضعف وعي الشارع وموقفه، الذي بات يهدد نفوذ الغرب في بلاد المسلمين.

ان القوى الجديدة لم تقرا الثورات قراءة واعية تمكنها من تقدير الموقف بشكل صحيح، بحيث تدرك تغيير موازين القوى وتعي أنه لا حاجة لها لتقديم التنازلات. فالقوى الجديدة بدأت رحلة تنازلات على الرغم من ان ميزان القوى في مصلحتها. فعلى الصعيد الخارجي نجد أميركا وأوروبا تخشيا الصدام مع الثورات وتتجنب الاصطدام مع ارادة الشارع العربي، سيما وانهما تعانيان فترة عصيبة إثر هزيمتهما في العراق وأفغانستان وإثر معضلتهما المالية ومحاولة انزوائهما على ذاتهما لترميم جراحهما. وعلى الصعيد الداخلي نجد المتربصين بالتيار الإسلامي بكل أطيافه في مأزق تاريخي لفقدانهم القدرة على التواصل مع الطموحات الاسلامية للشارع. فيا لأصحاب حُمى الواقعية حين لايحسنون تقدّير الموقف وحساب ميزان القوى، فتراهم يجعلون البراغماتيين، من امثال مبارك وبن علي، اسوة حسنة عند خوضهم العمل السياسي وان كان في ظل حالة ثورية وبعد وصول المشاعر الاسلامية والتعطش للانفلات من قبضة الغرب الى مستوى غير المسبوق!

اما حُمى الثقافة الغربية فوقعها انكى، اذ تكاد ان تجعل القوى الجديدة جزءا من الواقع الذي يأمل الشارع تغييره. فبينما نشاهد اجماعا من قبل سياسيي الغرب على ان انظمة بلادهم وثقافتها لابد ان تقوم فقط على اساس ديانتهم المسيحية وعقيدتهم العلمانية، نجد سياسيي القوى الجديدة في العالم الاسلامي يتنكرون لثقافتهم الاسلامية ويكررون ان ديمقراطية الغرب وقيمه هي المبادئ الأساسية لضمان التعايش لشعوب الربيع العربي! متجاهلين ما تعانيه الأقليات والجالية المسلمة في الغرب من التمييز والتهميش في ظل تلك القيم، وضاربين بعرض الحائط قيم الاسلام التي اثبتت عبر التاريخ قدرتها على ضمان التعايش والتقدم والازدهار. حتى ان بعض القوى الجديدة من المحسوبين على التيار الاسلامي اعلن تفهمه لتخوف الغرب وعملائه من وجود الاسلام في الحكم، فاصبحت الدعوة للاطاحة بالصحوة الإسلاميّة وإحباطها وجهة نظر تطرح دون حياء او خجل... واصبح تملق العدو والانصياع له تكتيكا سياسيا...!!!، فصدق فيهم قوله عليه الصلاة والسلام: إذا لَم تَستَحح فَاصْنَع مَا شِئت.

وفي ظل ما سبق يصعب تصور انعتاق القوى السياسية الجديدة من قبضة الغرب ويُستبعد خروجها عن اطار الترقيعات الجزئية للواقع الفاسد. ان اعتماد البراغماتية في سياسة هذه القوى يجعل التبعية سجية لها ويجعلها تأبى الا ان تكون جزءا من الواقع، فتفقد القدرة على تمثيل شعوب اندفعت في ثورة تجاوزت المطالب الاقتصادية فكانت ثورة انعتاق من هيمنة الطغاة واسيادهم في الغرب. ورغم عقود طويلة استعبدت فيها الشعوب وسلبت سلطانها وصودرت ثقافتها، ها هي تستفيق لتعيد كرامتها ودورها في الحياة وقد ادركت الثمن الباهظ لثوراتها، فقدمت تضحيات بطولية وانجزت الخطوات الأولى نحو الانعتاق، ومهدت طريق التغيير الجذري. فمن اراد تمثيل شعوب كهذه لا بد ان يستكمل الانعتاق ولا بد ان يرفع سقف اهدافه ويرفض التبعية في ثقافته وخطابه وسياساته.

شادي فريجة
الممثل الإعلامي لحزب التحرير ـ إسكندينافيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار