خبر وتعليق   رئيس حزب النور في مصر يقول حقيقة ويتناقض معها
January 30, 2014

خبر وتعليق رئيس حزب النور في مصر يقول حقيقة ويتناقض معها


الخبر:


في 2014/1/25 نشرت الشرق الأوسط مقابلة مع رئيس حزب النور يونس مخيون قال فيها أنه رفض دعوة وجهت لحزبه للخروج بمظاهرة مليونية ضد مليونية 30 يونيو/حزيران وذلك "... لأن الشعب الذي سيخرج في 30 يونيو ليسوا ضد الإسلام ولا ضد الدين ولا ضد الشريعة، ولا ضد المشروع الإسلامي، لأن الناس لم تر مشروعا إسلاميا أصلا طوال هذه السنة، ولم تر أي ملامح للمشروع الإسلامي. فلماذا تريدون أن تحولوا الصراع إلى صراع إسلامي".


التعليق:


إن هذا الكلام حقيقة، فالناس في مصر لم يخرجوا ضد دينهم وإسلامهم وشريعتهم لأنه لم يطبق من ذلك شيء، ولم تر مشروعها الإسلامي الذي يتحقق بإقامة الخلافة وتطبيق الإسلام، نعم إن ذلك حقيقة لا مراء ولا جدال فيها، ولكن حزب النور تناقض معها، فبدلا من أن يتخذ موقفا مشرفا بتوجيهه الناس نحوها أي نحو إقامة نظام الإسلام والدعوة إلى تطبيق الشريعة وجعل إقامة الخلافة هي المشروع الإسلامي والقيام بالصراع ضد النظام العلماني القائم وضد دستوره، فبدلا من ذلك نراه يقوم بخدمة النظام الجمهوري والدستور العلماني المناقضين للإسلام، فيقول يونس مخيون رئيس حزب النور: "ذلك أننا الحزب الوحيد الذي تحرك على مستوى الجمهورية ولم يقم بمثل هذا التحرك أي حزب أو حركة... وكان في هذه المؤتمرات إقبال من أعضاء الحزب ومن غير أعضاء الحزب، ولعبت دورا كبيرا في إقناع الناس بالدستور الجديد.. وعندما يقول (حزب النور) أن هذا الدستور حافظ على الهوية الإسلامية وعلى الشريعة الإسلامية فإنهم يأخذون كلامه بثقة...".

أي لكون حزب النور اتخذ القائمون عليه التقيد بمظاهر إسلامية مثل إطلاق اللحى سبيلا لينالوا ثقة الناس البسطاء وليصبح ما يقوله هذا الحزب حقا وهو باطل في أساسه. فالدستور الجديد كسابقه من الدساتير حافظ على النظام العلماني الجمهوري المخالف للإسلام، فوضعت مادة دين الدولة الإسلام ومصدر التشريع الرئيسي الإسلام كما في الدساتير السالفة خداعا للناس لأنها لا تعني شيئا ولا تجلب خيرا، لأن المواد الأخرى مناقضة لهذه المادة، فوضعت هذه المادة لخداع العامة. فلم يجعل الإسلام المصدر الوحيد للتشريع ونفي أية مادة تناقضه وجعل كل المواد منبثقة من الإسلام وعلى رأسها نظام الحكم بأن يكون نظام خلافة راشدة. فبدلا من ذلك يقوم حزب النور بالعمل على تركيز الدساتير التي تتناقض مع الإسلام، فقد شارك في وضع دستور عام 2012 كما شارك في وضع دستور عام 2013 المناقضين للإسلام، وهما لا يختلفان عن دستور عام 1971 دستور أنور السادات الهالك وحسني مبارك الساقط. ورئيس حزب النور يونس مخيون نفسه يقول "الناس لم تر مشروعا إسلاميا أصلا طوال هذه السنة، ولم تر أي ملامح للمشروع الإسلامي". وذلك حسب دستور 2012 الذي شارك هذا الحزب في وضعه، والآن كيف يشارك هذا الحزب في وضع دستور 2013 وهو ليس بأفضل من دستور 2012 ويعلم هذا الحزب أنه لم يأت بمشروع إسلامي ولا ملامح مشروع إسلامي؟! فما هذا التناقض مع الذات ومع الإسلام؟! فهل هؤلاء يعون ما يقولون؟! وهل هم يتصرفون عن وعي؟!


ويقول رئيس حزب النور يونس مخيون "ونحن كحزب النور إما أن نشارك في خارطة الطريق وإما أن نعتزل". فيظهر أن هذا الحزب لم ير الحق الذي يتجلى برفض خارطة الطريق التي تتضمن الحفاظ على النظام العلماني ورفض العزلة واتباع طريق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهو القدوة الحسنة بدعوة الجيش والشعب إلى تحكيم الشرع بإقرار دستور إسلامي وقد طرحه حزب التحرير مبينا الأسباب الموجبة له والأدلة الشرعية لجميع مواده.


ويقول رئيس حزب النور: "ولكننا رأينا أن الانتخابات أولا بحيث يأتي أولا بالرئيس المقبل الذي يأتي في وجود مجلس تشريعي هو الذي يتولى سلطة التشريع". فهو بهذا القول يتناقض مع الإسلام عندما يقبل بإعطاء سلطة التشريع لمجموعة من البشر متمثلة بمجلس تشريعي وهو البرلمان أو مجلس الشعب، فهو يقر ويقبل بالنظام الديمقراطي الغربي الذي أعطى حق التشريع لسلطة تشريعية من البشر بعدما فصل الدين عن الدولة. أبهذا الشكل يكون حزب النور وبدستوره الجديد قد حافظ على الهوية الإسلامية وعلى الشريعة الإسلامية؟! إنه لتناقض عجيب يجعل الحليم حيرانا! فكيف يفتتن هؤلاء بآرائهم المتناقضة والمناقضة لدينهم ويفتنون الناس البسطاء المحبين لدينهم بها؟!


ويزيد ذلك تناقضا عندما يقول رئيس حزب النور: "ولكن نحن فعلا من أهم أهدافنا الشريعة الإسلامية لأننا نرى أن الدولة التي تتهاون في هويتها فهي لا تحترم نفسها ولا يحترمها الآخرون". فهل يفهم هؤلاء أن الشريعة الإسلامية والحفاظ على الهوية الإسلامية بأنهما عبارة عن الحفاظ على مادة أن "دين الدولة الإسلام وأن مصدر التشريع الرئيسي الإسلام" وبعد ذلك لا ضير ولا حرج مهما وضعت من مواد تناقضها ولا تقيم وزنا للشريعة ولا للهوية الإسلامية؟! فهلا احترموا أنفسهم والآخرين من شعبهم بالبعد عن هذا التناقض وعن خداع الناس، لأنه يقول: "الشعب المصري محب للشريعة وتوجد استطلاعات رأي محلية وخارجية وجدت أن نحو 90 في المائة أو 95 في المائة من الشعب المصري محب لدينه، وأنه من أكثر الشعوب حبا للشريعة الإسلامية".

فمقابل هذه الحقيقة التي لا مراء فيها؛ فهل يجوز لمسلم أن يضع دستورا ليس فيه مشروع إسلامي ولا يوجد فيه ملامح إسلامية؟ وهل يجوز لمن يظهر بمظهر الملتزم بالإسلام لينال ثقة الناس المحبين لدينهم ومن ثم يلبّس عليهم أمرهم فيدعوهم للتصويت على دستور يثبت دعائم النظام الجمهوري العلماني الغربي في بلد بورك شعبه بحبهم لدينهم الحنيف ويريدون تطبيقه؟ فلو دعوا الناس للدستور الإسلامي ولإقامة الخلافة لوجدوا شعب الكنانة بنسبة 90 في المائة أو 95 في المائة يستجيب لهذه الدعوة المباركة، وبذلك يكونون قد ساروا في الطريق الصحيح الذي لا اعوجاج فيها وبعدوا عن خارطة الطريق المعوجة التي رسمها العلمانيون الذين وضعوا دستورا يجعل حق التشريع فيه للبشر متمثلا في برلمان كسلطة تشريعية من دون الله. وقد طلب الله من رسوله أن يعلن دعوته وطريقتها بشكل واضح ومن دون تناقض فقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أسعد منصور

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار