May 04, 2014

خبر وتعليق رسالة إلى أخواتنا المسلمات في بريطانيا فيما يتعلق بأحداث سوريا (مترجم)


أخواتي اللاتي تشعرن بمصاب أهل سوريا، إنكن أصبحتن تعلمن الآن أن هذه المشاعر التي تحملنها والأعمال والتي تقمن بها لم تعد أبدا مسألة هينة بسيطة. بل إنكن تحملنها تحت الضغط بل التجريم.


فها هي تيريزا ماي وزيرة الداخلية البريطانية تمدد صلاحياتها في كانون الأول والمتعلقة بأخذ جوازات سفر أولئك الذين يعودون من سوريا. معتبرة إياهم مجرمين حتى قبل أن تطأ أقدامهم الأراضي البريطانية. أما لماذا؟ فالأمر ببساطة أن الحكومة تصف هؤلاء بالإرهابيين وتعتبر وجودهم في البلاد تهديدا للشعب البريطاني فيما يظهر، والجرم أنهم ذهبوا وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الذود عن النساء والأطفال الأبرياء.


أخواتنا، قد لا نتفق على فعل ما يقوم به بعض أفراد الأمة لكن هذا ليس موضوعنا الآن وليست هذه هي القضية. فالقضية هي أكاذيب نُسجت عن هؤلاء الأشخاص وعن كونهم يشكلون تهديدا خطيرا والهدف من ذلك كله تشويه صورتهم ولم يتوقف موضوع تجريم أشخاص لارتباطهم في أمور متعلقة بسوريا عند هذا الحد.


فالأمر تعدى ذلك ليصل لحد تجريم أولئك الذين يتبرعون بالأموال لسوريا. وقد رأينا التدقيق الشديد والمتابعة الحثيثة لمبعوثي الجمعيات الخيرية وكأنهم مخبأ للإرهابيين! ونتيجة لذلك وقع الناس تحت ضغط وإرهاب شديدين. وقد قال مفوض شرطة العاصمة السير برنارد هوغان - هوي بأنه حتى أولئك الذين ذهبوا لتقديم مساعدات إنسانية فإنهم سيعودون راديكاليين إرهابيين. وأما رئيس اللجنة الخيرية فقد أعرب هذا الأسبوع عن قلقه إزاء التطرف الإسلامي الذي ظهر في الجمعيات الخيرية!.


هل يمكنكن أخواتي تصور أن يصبح تقديم التبرعات لمساعدة محتاجين جريمة يحاسب عليها القانون؟


ثم ها هو أخونا مُعَظَّم بيغ الذي عانى سابقا أثناء اعتقاله في معتقل خليج غوانتانامو يتعرض للاعتقال لأمور تتعلق بسوريا، صحيح أننا لا نملك تفاصيل، لكن أية رسالة تلك التي يريدون إيصالها لنا؟


وعموما ماذا نرى؟ ما نراه هو أن سوريا أصبحت مكانا لاختبار المسلم المتطرف. وليس مهما هنا على الإطلاق إن كنت تختلف قطعا مع أعمال الإرهاب وقتل الناس الأبرياء. هذا لا يهم هنا وليس موضوعنا هنا. فعندهم مجرد إيمانك بأفكار الإسلام ومفاهيمه كعالمية أمة الإسلام وطبيعة هذا الدين السياسية كافية لجعلك مجرما محتملا.


إذن كيف يكون الرد؟


أولا وقبل أي شيء فما من شك أبدا في أن هناك أزمة إنسانية لا مثيل لها يعاني منها اللاجئون الذين تغص بهم المخيمات المختلفة.


وإن الواجب علينا أخواتي أن نتصدق ونرسل ما في وسعنا - بطانيات وملابس وأدوية وغذاء - كمساعدة لإخوتنا وأخواتنا، هذا أمر علينا فعله ولا عذر لنا إن فرطنا.


وأمتنا في أجزاء كثيرة منها لا تملك ثروة إضافية ترسلها. لذلك كله فإن هذه الجهود لا ينبغي أن تموت بل لا بد من أن تستمر فأمة الإسلام في الشام لا يمد لها العون أحد. وبالتالي فإن هذا الدعم الخيري هو ما يمثل عملا عظيما مساعدا.


لكن لا يمكننا أن نقدم لأهل سوريا البطانيات والأدوية بقلوب مفتوحة ثم نغمض أعيننا عن الرسالة الأساسية التي يطلقها أهلنا في الشام مرة بعد أخرى عبر اليوتيوب الفيديو وراء الفيديو والتي يهدفون فيها للفت النظر إليهم وإلى مطلبهم في كونه المناداة بالإسلام.


فها هي أمة الإسلام هناك تكافح وتناضل من أجل إسلامي وإسلامك أختي، يضحون بأنفسهم لأجلي وأجلك أختي. وكجزء من هذه الأمة الواحدة علينا أن ندعمهم وأن نقف إلى جانبهم. وإذا ما تجاهلنا كل هذه العوامل التي أدت إلى معاناتهم، فكيف سنقف معهم بعدها ونساندهم؟


وليس فقط كوننا إخوة لهم يتحتم علينا دعمهم ولا لضرورة أن نكون شاهدين على حقيقة ما يحدث لهم - بل إن كونهم يكافحون من أجل ديننا الذي هو دينهم أمر آخر بالغ الأهمية يوجب علينا نصرتهم.


لذلك فمن الواجب علينا أن نقوم بدورنا بالوقوف معهم جنبا إلى جنب وبإخلاص خالص وهم يجاهدون ويناضلون.


والأخوات يعرفن أن هذا الأمر ليس متعلقا باليوم أو الغد أو الشهر القادم. ولكن ما إذا كانت سوريا قضية إنشائية نظرية فحسب أم لا فإن هذا العداء لكل من يتمسك بقيم الإسلام واستخدام التجريح ضده هو أمر يجب علينا جميعا كوننا مسلمين أولا وجزءاً من أمة عالمية ثانيا الوقوف ضده.


وعلاوة على ذلك فإن علينا الوقوف قليلا وسؤال أنفسنا؛ ففي حين خاضت الأمة طريقا شائكا صعبا لكونها شاهدة حارسة على الأمم لإيصال الحق لها، هادفة لأن تُعيد هويتها الإسلامية التي فقدتها منذ زمن، فماذا نريد نحن لهويتنا أن تكون؟


ولا بد أن نعرف أن الطريقة التي سنرد بها الآن على الضغوطات التي تمارس على الإسلام ستشكل وتحدد من سنكون وكيف سيكون حالنا لسنوات وسنوات قادمة. وفقط قفن أخواتي للحظة واحدة وفكرن من تُردن أن تكُنَّ، وأي إرث إسلامي تُردن تركه لأطفالكن وأحفادكن من بعدكن إذا ما عاشوا نفس الواقع الذي تعشنه الآن؟ إن لم نعتصم اليوم بحبل الله أخواتي فماذا نتوقع من أجيالنا أن تفعل في المستقبل؟!


وإذا ما اخترنا أخواتي وسمحنا ليصبح موضوع تجريم كل ما يتعلق بسوريا أمرا مقبولا وعاديا، وإذا ما لم نطلق صوتا مدويا واثقا ضد هذا الأمر ومثيلاته التي تعتبر هجمة على ديننا كانفصال الرجال عن النساء والنقاب فإنا بذلك نسمح لأن تصبح هذه الأمور مشوَّها للإسلام وحقيقته وسيؤول ذلك لجعل الإسلام في نظر الآخرين مشكلة حقا، كل هذا لكوننا لم نفعل شيئا للتصدي لكل ذلك. استغفر الله.


لذلك أخواتي، تمسكن بهذا الدين ولا تفرطن بشيء منه. وسلطن الضوء على حقيقة ما يجري في سوريا من أنه كفاح أمة من أجل الأمة.


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
شوهانة خان
الممثلة الإعلامية لنساء حزب التحرير في بريطانيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار